SOS. كيف يمكن أن يساعدكِ التشبيك في العثور على عمل؟

في حياتنا اليومية، نمارس التشبيك باستمرار من دون أن ندرك ذلك. وعندما تظهر معارف جديدة، أو تبدأ صداقة، أو تنشأ علاقات ودية، يطرح كثير من الأشخاص في عالم الأعمال، وأنا من بينهم، سؤالًا مباشرًا: كيف يمكن أن نجعل هذا التواصل ليس ممتعًا فحسب، بل مفيدًا أيضًا لمسيرتنا المهنية؟ لذلك سأتحدث معكم اليوم عن قيمة التفاعل المهني والروابط الاجتماعية، وعن فائدة التشبيك ومزاياه. ولنبدأ أولًا بفهم ما هو التشبيك أصلًا ولماذا نحتاج إليه.

كل ما من المفيد معرفته عن التشبيك

التشبيك هو إنشاء «شبكتك» الخاصة — نظام، بنية، شبكة عنكبوتية، سمِّها كما تشاء — تتكوّن من مختلف المعارف والاتصالات المفيدة. قد يكون هؤلاء الأشخاص مهنيين، أو زملاء لك، أو قادة مؤثرين من مجالات أخرى، ويمكنهم من الناحية المحتملة مساعدتك في حل بعض المهام عندما تحتاجين إلى ذلك. لكن من المهم أن نفهم أن هذا النظام يعمل في الاتجاهين. أي إن عليكِ أنتِ أيضًا أن تمثلي قيمة لمعارفك الجدد، وأن تكوني قادرة على مساعدتهم في موقف صعب. ولا تكون هذه المساعدة دائمًا مساعدة مادية أو مباشرة، فغالبًا ما يقوم التشبيك على تبادل المعلومات والآراء والخبرات الشخصية، أو تقديم الاستشارات والنصائح.

وهنا تكمن الفكرة الأساسية للتشبيك: المساعدة المتبادلة، وإلى حد ما، تسهيل عملك وحياتك المهنية. فلنعترف، يصبح العيش والعمل أسهل دائمًا عندما تعرفين إلى من يمكنك اللجوء طلبًا للنصيحة، ومن لن يرفض مساعدتك، ومن سيدعمك ببساطة في اللحظات الصعبة. وبذلك، كلما كانت شبكة علاقاتك أوسع، ازدادت أمامك الآفاق والفرص والخيارات المتاحة لتطورك المهني.

يمكن أن يكون التشبيك من نوعين: اجتماعيًا ومهنيًا.

التشبيك الاجتماعي هو أيضًا علاقات ومعارف، لكنه يساعدك في حل مسائل يومية ومعيشية. على سبيل المثال، يمكن اعتبار ما يُسمى «محادثات سكان البناية» شكلًا من أشكال التشبيك الاجتماعي، حيث يتجمع السكان لحل المشكلات العاجلة التي تقلقهم، سواء كانت جيرانًا مزعجين، أو شركة تطوير عقاري غير نزيهة، أو تأخرًا متكررًا في جمع القمامة. نعم، أنا أيضًا لا أطيق هذه المحادثات بسبب كثرة الرسائل المزعجة فيها، لكن من المؤكد تقريبًا أن هناك شخصًا مفيدًا بينها. مثلًا، محامٍ يستطيع، عند الحاجة، التعامل مع شركة إدارة المجمع السكني. والأمهات الشابات اللواتي يتعارفن أثناء التنزه بعربات الأطفال ويكوّنّ صداقات فيما بينهن، هن أيضًا مثال على التشبيك الاجتماعي! فلاحقًا يتبادلن النصائح والخبرات الشخصية حول التربية الصحيحة للأطفال.

أما في التشبيك المهني، أي في عالم الأعمال، فكل شيء بالطبع أكثر تعقيدًا وجدية بعض الشيء، لكن المبدأ هو نفسه. ففي أي مؤتمر أو منتدى، يمكنكِ أيضًا التعرف إلى أشخاص مثيرين للاهتمام من المجالات التي تهمك، ثم استخدام هذه العلاقات لاحقًا لتوسيع آفاقك، وحل بعض المهام، وتحقيق فوائد مختلفة. في العالم الحديث، تلعب هذه العلاقات دورًا كبيرًا، لذلك أشجع الناس دائمًا على اغتنام أي فرصة لبنائها. وسأخبركم من واقع تجربتي كيف يمكن إنشاء علاقة مهنية بطريقة صحيحة.

كيف تبنين علاقات مهنية بسهولة وعلى المدى الطويل

أهم ما فهمته خلال سنوات عملي في عالم الأعمال هو الآتي: إذا لم يبدأ أحد الحديث معك، فابدئي أنتِ الحديث. لا يوجد أي شيء مخيف في أخذ المبادرة. اسألي محاورك عن رأيه في هذا الموضوع أو ذاك، لكن لا تنسي في الوقت نفسه أن تتحدثي عن اهتماماتك المهنية أيضًا. بهذه الطريقة ستثيرين اهتمام الشخص، وستمنحينه فرصة لإظهار نفسه — ومن يدري، ربما يكون هو نفسه يبحث عن شخص مفيد مثلك؟

الأهم هنا هو عدم المبالغة. إذا كان الشخص لا يرغب في التواصل معك، فلا ينبغي بأي حال من الأحوال أن تنتزعي منه الإجابات أو تستفزيه لكي يتفاعل، لأن ذلك لن يسبب إلا الانزعاج. كذلك لا تسمحي لمخاوفك أو توترك بأن يمنعاك من إظهار أفضل ما لديك، واعلمي أن الانطباع الأول هو الأهم — وهذه حقيقة علمية! إن الالتزام بآداب العمل، وقواعد المظهر المهني، والثقة بالنفس، كلها أمور تساعد على جعل هذا الانطباع الأول إيجابيًا للغاية.

وفي التشبيك أيضًا تنطبق القاعدة الذهبية نفسها التي تنطبق في كل مكان: الجودة أهم من الكمية. لستِ بحاجة إلى التعرف إلى جميع المشاركين في الفعالية بلا استثناء، يكفي أن تبني بضع علاقات واعدة. ولكي تترسخ العلاقات المهنية وتستمر لاحقًا، أنصحكِ بالتأكيد بتبادل وسائل التواصل مع محاورك، ثم إرسال رسالة إليه، مثلًا في اليوم التالي. لكن اختاري مسبقًا سببًا جيدًا لذلك. والأفضل أن تتمكني من إثارة اهتمامه بمادة حديثة ومفيدة، مثل دراسة أو منشور. عِديه بإرسال الرابط، وتابعي التواصل معه بطريقة غير مباشرة وغير مزعجة. هكذا ستضعين نوعًا من «الخطاف» الذي يلفت انتباه محاورك، لكن هذا الخطاف يجب أن يكون مرتبطًا بمجال عمله واهتماماته. وبعد ذلك يمكنكِ دعوة هذا التعارف الجديد إلى شرب القهوة في عطلة نهاية الأسبوع، أو على الأقل إلى تناول الغداء خلال استراحة العمل.

وبالمناسبة، من المفيد جدًا أحيانًا التحدث في موضوعات لا علاقة لها بالعمل. ولكي لا تكوني أنتِ وحدك المبادِرة دائمًا إلى التواصل، أثبتي مهنيتك وتمكنك أثناء الحديث، وأظهري سعة اطلاعك، وأقنعي محاورك بأن التواصل معك مفيد له.

وقاعدة مهمة أخيرة في الختام: لا تطلبي المساعدة فورًا! أولًا نبني العلاقة، وبعد ذلك فقط نشارك التعارف الجديد مشكلتنا ونطلب النصيحة. وليس العكس أبدًا.

التشبيك للمبتدئين: كيف تجدين عملًا من خلاله

تتضح فائدة التشبيك بشكل خاص للمبتدئين في المهنة، أولئك الذين يبدأون للتو بناء مسيرتهم المهنية. وينطبق الأمر نفسه على مؤسسي الشركات الناشئة: فمشاريعك أو أفكارك الجديدة قد تثير بسهولة اهتمام شخص ما من دائرة المستثمرين. هل تحلمين بالتمويل وبمكان آمن تحت جناح مستثمر ملاك؟ إذن ابدئي فورًا في بناء العلاقات!

يمكن لشبكتك الخاصة من العلاقات أن تساعدك حتى في العثور على وظيفة مربحة وواعدة. ولديّ أنا نفسي تجربة مشابهة، فعن طريق علاقة جيدة مع صاحب عمل سابق تمت التوصية بي للعمل في شركة كبيرة، بل وفي منصب أعلى من المنصب الذي كنت أشغله قبل ذلك. لكن انتبهي: لا أتحدث هنا عن المحاباة أو الواسطة! العلاقات تساعد، لكنها لا تحسم كل شيء.

إذا لم تكن لديك المؤهلات الكافية، فلن يتمكن أي صديق من مساعدتك في بناء مسيرة مهنية ناجحة. يجب أن تكون على مستوى العلاقات التي تمتلكها. لذلك، إذا كنت تبحث عن عمل، فلا تتردد في الاستفادة من جميع علاقاتك المهنية وسؤال معارفك السابقين، ولكن لا تنسَ في الوقت نفسه مواصلة تطوير نفسك واكتساب المزيد من الخبرة.

شارك في مختلف الفعاليات المفتوحة المرتبطة بمجالك المهني. فعلى سبيل المثال، تنظم العديد من الشركات مؤتمرات ومحاضرات مفتوحة للتعريف بأنشطتها، ويمكن لأي شخص مهتم بالموضوع حضورها. وخلال استراحة القهوة، يمكنك بسهولة التعرف إلى شخصين أو ثلاثة أشخاص جدد — وقد تحدثت سابقًا عن أهم القواعد التي تساعد على نجاح التعارف الأول. وحتى إذا لم تكن هذه العلاقات مفيدة لك الآن، فقد تصبح ذات قيمة كبيرة لاحقًا، عندما تكون قد حصلت بالفعل على وظيفة وتواجه مهام تتطلب مساعدة أو خبرة خارجية.

كما أن معارض التوظيف والتدريب العملي مفيدة للغاية. فهي وسيلة جيدة وفعالة فعلًا للعثور على عمل وبناء علاقات جديدة. وحتى لو حضرت معرضًا واحدًا فقط من هذا النوع، فستحصل على جميع المعلومات الضرورية حول الوظائف التي تهمك والشركات التي توظف الموظفين. وفي كل الأحوال، سيؤدي ذلك إلى تفعيل آلية ما يُعرف بـ«نظرية الدرجات الست للفصل». ووفقًا لهذه النظرية، فإن جميع الناس مرتبطون ببعضهم البعض عبر سلسلة قصيرة من المعارف. وهذا يعني أن بناء عدد قليل فقط من العلاقات الأولى يجعلك مرتبطًا بشكل غير مباشر بعدد أكبر بكثير من الأشخاص، ومن المؤكد تقريبًا أن بينهم شخصًا سيكون مفيدًا للغاية بالنسبة لك.

ووفقًا لإحصائيات دراسة أجرتها LinkedIn، فإن أكثر من 80٪ من الوظائف يتم شغلها بفضل العلاقات المهنية. ولا يوجد أي سبب للخجل من ذلك! وبالحديث عن LinkedIn مرة أخرى، فهو أداة قوية للغاية للبحث عن عمل، ولذلك أوصي بشدة بإنشاء ملف شخصي عليه وإكماله بالكامل. احرص على إدراج معلومات دقيقة عن مهاراتك المهنية وخبراتك السابقة، وأضف صورة احترافية عالية الجودة — فمن دونها يكاد يكون البحث عن فرص عبر LinkedIn بلا جدوى — ثم ابدأ بالنشاط على المنصة. بهذه الطريقة ستتمكن من جذب انتباه أصحاب العمل. وتذكّر أن مسؤولي الموارد البشرية يقدّرون دائمًا الملفات الشخصية المكتوبة بعناية والتي تحتوي على معلومات مفيدة ومنظمة فقط.

نصائحي الشخصية الثلاث لتحقيق أقصى استفادة من التشبيك

أعلم جيدًا أن تطبيق هذه النصائح أصعب من مجرد قراءتها. لذلك أود أن أشارككم بعض النصائح الشخصية التي ستجعل عملية التشبيك أسهل وأكثر فعالية.

1. طوّر حضورك على وسائل التواصل الاجتماعي

في أوروبا، تُعد LinkedIn المنصة الأكثر شعبية للبحث عن العلاقات المهنية وبنائها. إذ تضم أكثر من 750 مليون مستخدم من 150 مجالًا مهنيًا ومن 200 دولة حول العالم! وبعبارة أخرى، إنها منصة ضخمة تساعدك على العثور على متخصص أو خبير في أي مجال تقريبًا خلال وقت قصير جدًا ومن دون الحاجة إلى مغادرة منزلك.

وفي الوقت نفسه، لا تنسَ استخدام شبكات التواصل الاجتماعي التي تستعملها يوميًا لأغراض التشبيك أيضًا. على سبيل المثال، يمكنك إنشاء قناة على Telegram. وفي هذه الحالة يجب أن تكون القناة مثيرة للاهتمام بالنسبة إلى زملائك وللأشخاص الفضوليين والمنفتحين على مختلف الموضوعات، لأن هؤلاء القراء قد يتحولون لاحقًا إلى علاقات مفيدة. ابدأ بالتعريف بنفسك وبعملك بشكل مفصل، وأضف صورًا عالية الجودة، وانشر بانتظام محتوى حول الموضوعات الراهنة في مجالك المهني. كما يمكنك إعادة نشر المواد المفيدة والتفاعل مع متابعيك وتقديم الملاحظات لهم.

2. استخدم منصات التعارف المخصصة للتشبيك

تُعد منصة Random Coffee واحدة من أكثر المنصات شعبية في دول رابطة الدول المستقلة. وتعمل بطريقة بسيطة: يقوم روبوت دردشة بربطك بشخص اختارته الخوارزمية ليكون محاورًا مناسبًا لك. تتبادلان الحديث، ثم قد تتفقان بعد ذلك على لقاء شخصي. ولا تقتصر فائدة هذا النظام على الأشخاص الذين يرغبون في توسيع شبكة علاقاتهم بسرعة. فـ Random Coffee يساعد أيضًا على تكوين صداقات جديدة، واكتشاف اهتمامات مختلفة، واستلهام أفكار من المهن التي يمارسها الآخرون، وحتى بدء تطوير مسيرتك المهنية. كما توجد نسخة أخرى باللغة الإنجليزية تحمل الاسم نفسه، لكنها تعمل وفق آلية مختلفة بعض الشيء.

3. انضم إلى نوادي الاهتمامات المشتركة

يمكن العثور على هذه النوادي عبر الإنترنت من خلال مجموعات Facebook المعتادة، كما يمكن العثور عليها خارج الإنترنت من خلال الإعلانات والفعاليات المختلفة. فالعشاءات الخاصة التي تجمع شخصيات مؤثرة من قطاعات معينة، والمنتديات المهنية، وجلسات الماسترمايند، ومساحات العمل المشتركة، والهاكاثونات — جميعها توفر فرصًا ممتازة لبناء علاقات مهنية وتبادل خبرات فريدة. يعرف رواد الأعمال والمديرون ذوو الخبرة أن التشبيك عنصر أساسي للنجاح. ولهذا السبب أشارك شخصيًا بانتظام في مثل هذه الفعاليات، وأحرص على الحفاظ على علاقات جيدة حتى مع منافسيّ. بل إنني وجدت في بعض هذه اللقاءات موظفين وشركاء جددًا!

قائمتي المفضلة من الكتب حول التشبيك

ولمساعدتك على تطوير المهارات الشخصية (Soft Skills) التي يصعب اليوم تحقيق النجاح في سوق العمل من دونها، أود أن أشاركك قائمة بكتبي المفضلة حول التشبيك.

  • «لا تأكل وحدك أبدًا» (Never Eat Alone) لكيث فيراتزي. ألّف هذا الكتاب خبير في التشبيك ورائد أعمال ورجل أعمال ناجح. وقد أصبح من أكثر الكتب مبيعًا بفضل الأمثلة والأدلة الواقعية التي يقدمها المؤلف حول الإمكانات غير المحدودة للتشبيك. ويرى فيراتزي أن أساس أي علاقة ناجحة هو الصدق والتفاؤل. كما يؤمن بأن التشبيك يمكن ممارسته في أي وقت وفي أي مكان.
  • «التشبيك للانطوائيين» (Networking for Introverts) لكارين ويكر. إذا لم تكن تتفق مع رأي فيراتزي القائل بأن بناء العلاقات مناسب دائمًا وفي كل مكان، فهذا الكتاب موجه إليك. فمن خلاله ستتعلم كيف تبني شبكة واسعة من العلاقات المهنية تقريبًا من الصفر.
  • «كيف تتحدث إلى أي شخص، في أي وقت، وفي أي مكان» (How to Talk to Anyone, Anytime, Anywhere) للاري كينغ. ويُعد هذا الكتاب وسيلة رائعة لاختتام الجانب النظري من دراسة التشبيك، إذ كتبه صحفي اشتهر عالميًا بمهارته الاستثنائية في إجراء المقابلات.

وإذا كنت بحاجة إلى العثور على وظيفة أحلامك في أسرع وقت ممكن، فإنني أوصي أيضًا، إلى جانب كل ما سبق، بالالتحاق بدورتنا التدريبية «اعثر على وظيفة أحلامك: الدليل الكامل للحصول على عمل». ومن الأفضل ألا تكتفي بتطبيق نصيحة واحدة فقط من نصائحي، بل أن تطبقها جميعًا في الوقت نفسه. اعتبر ذلك معادلة عالمية للنجاح: المشاركة في نوادي الاهتمامات، وإدارة حساباتك على وسائل التواصل الاجتماعي بنشاط، وقراءة الكتب المتعلقة بالتشبيك، وحضور مختلف الفعاليات، وإعادة التواصل مع المعارف القدامى، وبالطبع التعرف إلى أشخاص جدد باستمرار!