استغلال إجازة الأمومة لتطوير المسار المهني: ما المهارات التي يمكن تطويرها خلال فترة رعاية الطفل

تعتقد كثير من النساء اللواتي يعدن إلى وظائفهن المفضلة بعد إجازة الأمومة، عن طريق الخطأ، أنهن فقدن مهاراتهن المهنية وأن عليهن تعلّم كل شيء من جديد. إذا كنتِ واحدة منهن، فلا داعي للذعر! خلال عملي، التقيت مرارًا بموظفات موهوبات وكفؤات أصبحن، بعد ولادة الطفل وإجازة رعاية المولود، أكثر احترافية وأكثر طلبًا في سوق العمل. في الواقع، يمكن خلال فترة رعاية الطفل تطوير المهارات المهنية بقدر لا يقل عما يحدث داخل المكتب. بل وأكثر من ذلك، تمنحكِ هذه المرحلة فرصة لاكتساب مهارات جديدة ربما لم تكوني تدركين أهميتها من قبل. دعينا نكتشف كيف يمكن لإجازة الأمومة أن تسهم في تطوير مساركِ المهني، ولماذا لا ينبغي القلق بشأن فقدان الاحترافية المهنية.
إن ولادة الطفل وفترة رعايته تمثلان مرحلة سعيدة تعيدين خلالها اكتشاف العالم من جديد برفقة طفلكِ. بالإضافة إلى ذلك، فإن تجربة الأمومة والتعامل اليومي مع الأطفال يمكن أن تساعدكِ أيضًا في التقدّم على السلم الوظيفي! كيف يحدث ذلك؟ الأمر بسيط للغاية، فالعناية بالأطفال تسهم في تطوير مجموعة كاملة من المهارات المهمة. لنتحدث عن كل واحدة منها بمزيد من التفصيل.

  • إدارة الوقت

تُعد فترة رعاية الطفل المرحلة التي تتراكم فيها المهام اليومية الروتينية بشكل هائل. ففي هذه الفترة، تجدين نفسكِ مضطرة إلى التعامل مع عدة أمور منزلية في الوقت نفسه، لأن عليكِ إنجاز كل شيء وفي كل مكان دفعة واحدة. وفي الوقت ذاته، قد تتغير خطط اليوم بسرعة كبيرة، إذ يمكن أن يمرض الطفل فجأة، أو يدخل في نوبة بكاء طويلة، أو يرفض النوم. لذلك تُعتبر الأمومة واحدة من أفضل الفرص لتعلّم إدارة الوقت، والتكيّف السريع مع الظروف غير المتوقعة، والتخطيط الجيد للوقت ليس فقط لنفسكِ، بل للعائلة بأكملها أيضًا. والأهم من ذلك أنكِ ستتعلمين كذلك كيفية تحديد الأولويات بشكل صحيح وتفويض بعض المسؤوليات. وهذه من أهم المهارات التي ستفيدكِ بالتأكيد في حياتكِ المهنية وفي تطوركِ الوظيفي لاحقًا.

  • الذكاء العاطفي

وهو القدرة على التعرّف الصحيح على مشاعر الآخرين وفهمها، والتنبؤ بحالتهم المزاجية ورغباتهم واحتياجاتهم. ومن غير الأم يمكنه أن يعرف بشكل أفضل ما الذي يحتاجه طفلها؟ رغم أن توقّع رغبات الطفل مسبقًا قد يكون أمرًا صعبًا للغاية أحيانًا. لذلك يمكن القول بثقة إن الآباء والأمهات الجدد يطوّرون ذكاءهم العاطفي إلى مستوى “الاحتراف”.

قد تتساءلين: كيف يمكن لهذه المهارة أن تساعد في العمل؟ الحقيقة أن القدرة على التحكم في المشاعر الشخصية ومشاعر الآخرين وتنظيمها تجعل من الشخص ليس مجرد موظف فعّال، بل قائدًا حقيقيًا قادرًا على التأثير في الآخرين وإلهامهم وتحفيزهم. كما أن الشخص الذي يتمتع بذكاء عاطفي متطور يستطيع بسهولة بناء علاقات جيدة مع الزملاء أو الإدارة، وتقبّل النقد بموضوعية، وفهم الآخرين وتقديم التغذية الراجعة التي يحتاجون إليها.

  • المرونة الذهنية

المرونة الذهنية، أو التفكير المرن، هي القدرة على التكيّف السريع مع الظروف الجديدة، وإيجاد حلول غير تقليدية للمشكلات، والحفاظ على الهدوء حتى في أكثر المواقف صعوبة. ولا شك أن هذه مهارات أساسية لأي محترف ناجح. ومن الممكن اكتسابها ليس فقط في بيئة العمل! خلال فترة رعاية الطفل، تتطور المرونة الذهنية لدى الوالدين بسرعة كبيرة، لأنهما يخوضان دورًا جديدًا تمامًا ويجربان شيئًا مختلفًا كليًا، مما يدفع الدماغ إلى التفكير بطريقة مختلفة وتكوين روابط عصبية جديدة. وبشكل تلقائي، يمارس الآباء والأمهات مهارات الاستماع الفعّال، ويضطرون إلى الانتباه لرأي الطفل وأخذه بعين الاعتبار، كما يغيّرون زاوية نظرهم ويتخيلون أنفسهم مكان الآخرين، الأمر الذي يطوّر لديهم التعاطف والوعي الذاتي.

  • القدرة على تحمّل الضغط

الأمهات اللواتي لديهن أطفال صغار أشبه بسيدات من فولاذ، فمن الصعب جدًا إخراجهن عن هدوئهن. فبعد كل الضغوط والتوترات المرتبطة بتربية الطفل، تصبح المرأة قادرة على مواجهة المؤثرات الخارجية بهدوء، وتقييم المواقف بعقلانية، وعدم الاستسلام للذعر. كما تستطيع التصرف بشكل مناسب حتى في أكثر الظروف تعقيدًا، والعمل في حالات عدم اليقين، واستعادة توازنها النفسي بنفسها بعد المرور بمشاعر قوية. فمن يمكن أن يكون أكثر قيمة في بيئة العمل من موظفات بهذه القدرات؟

  • مهارات التواصل والقدرة على التفاوض

كما تتطور أيضًا، بشكل غير ملحوظ، مهارة التفاوض المهمة. صدّقيني، من الأسهل بكثير إقناع شريك محتمل بالاستثمار في مشروعكِ، أو إقناع عميل بشراء منتجكِ، أو دفع موظف للعمل بكفاءة أكبر، مقارنة بمحاولة إقناع طفل، على سبيل المثال، بأن يتناول طعامه ثم يرتّب ما خلفه بعد ذلك. والأمر اللافت أن هذه المفاوضات تحدث يوميًا عدة مرات وفي كل الأمور تقريبًا: متى يذهب للنوم، وأي قميص سيرتدي، وأي رسوم متحركة سيشاهد. وفي كل مرة يلجأ الوالدان إلى الحيل والأساليب المختلفة دون استسلام حتى يحققا النتيجة المطلوبة. أليست هذه مهارة لا تقدّر بثمن؟

  • المسؤولية العالية والتنظيم

ليس من قبيل المصادفة أن تُوصف الأمهات الشابات بأنهن شديدات المسؤولية. فالأمر صحيح بالفعل، ومن الصعب جدًا أن تجدي موظفة أكثر انضباطًا منهن! إن التخطيط المستمر، والتفكير في مختلف السيناريوهات المحتملة، وحساب المواقف لعدة خطوات مسبقًا — كل ذلك يطوّر التفكير التحليلي والمهارات الإدارية. علاوة على ذلك، فإن النساء اللواتي اختبرن تجربة الأمومة يتمتعن بقدرة كبيرة على إكمال ما بدأن به وتحقيق أهدافهن. فهن لا يتركن ما شرعن فيه في منتصف الطريق نحو النجاح، وذلك بفضل تنظيمهن العالي وشعورهن المتزايد بالمسؤولية.

  • سرعة التعلّم

خلال فترة رعاية الطفل، وخاصة الطفل الأول، تضطر الأمهات الشابات إلى تعلّم كل شيء أثناء التجربة نفسها. والأمومة تحديدًا تعلّمكِ كيف تستوعبين المعلومات الجديدة بسرعة وفعالية، وكيف تطبقين المعارف والمهارات المكتسبة مباشرة، وكيف تتعاملين مع مهام جديدة وغير مألوفة. وتُعد هذه المهارة ذات قيمة خاصة في عالمنا الحديث سريع التطور، الذي يقوم على التعلم المستمر وتطوير الذات بشكل دائم.
وبالطبع، قد يكون من الصعب تطوير المهارات المهنية التقنية، أو ما يُعرف بـ Hard Skills، خلال فترة الحمل ورعاية الطفل. لكن إذا كنتِ بالفعل محترفة حقيقية في مجالكِ، فإن ولادة الطفل لن تغيّر ذلك أبدًا. بل على العكس، ستصبحين متخصصة أكثر خبرة وقيمة ومستقبلًا واعدًا. لذلك أنصح أصحاب العمل بإعادة التفكير في الأمر: فالأمهات مرشحات رائعات للعمل، ومهاراتهن الشخصية Soft Skills تستحق الإعجاب حقًا!