عادات، التي تستنفد منكم الطاقة والنجاح
يُقال، إن عقلية ناجحة تليق بمن حقق النجاح. ومن واقع تجربتي، فعلاً، هذا صحيح. على الأقل، ولا أحد من معارفي الناجحين يتصف بعادات، التي تسرق منهم وقتَهم، طاقتهم العقلية، ولا آفاقهم المهنية الجلية. كثير من الناس يكتفون بالتخلّص من عادات كهذه لكي تتغيّر حياتهم 180 درجة. في لحظة ما على طول الطريق إنني أيضًا قد توصّلتُ إلى هذا، واكتشفتُ أمور كثيرة، التي لطالما استبعدت النجاح عني. أقترح الاطلاع عليها معيّ بشكل دقيق بحيث نتمكن معًا من تقييم لكم طريق نحو النجاح، الذي لطالما حلمتم بتحقيقه.
إنكم لا تقارنون أنفسكم بنسختكم في الماضي، إنما بأشكال مثالية من وسائل التواصل الاجتماعي
في أوج ذروتها أحدثت وسائل التواصل الاجتماعي ثورة في العالم بأسره، فهي منحت مسوّقين أدواتٍ جديدة للترويج وزيادة المبيعات، وللناس — فرصةً لمحو الحدود الجغرافية والثقافية واللغوية بين دولٍ العالم كلّها. مع ذلك، وبغض النظر عن مزاياها ومميزاتها وتأثيرها السحري، فقد أنجزت وسائل التواصل الاجتماعي شيئًا آخرًا — أوقعتْ ملايين الناس في الاكتئاب والتوتر.
الظاهرة هذه تليق بعصرنا وحده ولا سواه. العديد من الباحثين قد أكّدوا مرارًا، ومن ضمنهم علماء من الولايات المتحدة، على وجود صلة مباشرة بين استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وارتفاع شعور بالقلق، عدم الرضا من النفس، ومن الحياة. لهذا السبب تحديدًا، الأزمة الشخصية، التي من المفترض أن يعيشها المرء لأوّل مرة بحلول الثلاثينيات والأربعينات، صارت “أصغر سنًا”: لدرجة أنها باتت تصيب مراهقين في سن الـ 12 والـ 15، والشباب في سنّ الـ 20 و23 لا يستثنون من هذا. والجاني الوحيد في ذلك هو الشفافية، التي توفّرها وسائل التواصل الاجتماعي، هي في الواقع وهمية. على الأرجح أنه سبق وراودكم شعور بالحسد أثناء متابعة ستوريز آخرين، التي «تلمع»، ومتابعة منشورات روّاد أعمال حديثي الولادة عن “نجاحاتهم الناجحة”. المهم، كلّ هذا يحثّنا على أن نقارن أنفسنا بمَن، في الحقيقة، قد يختلف عنَّا اختلافًا كبيرًا في الصور التي ينشرونها. حتى فلاتر في انستجرام ترمي إلى الـ “تجميل” – فلا شك أن هذا يولّد سباقًا تنافسيًا ورغبة في استعراض الحياة الشخصية فقط من أفضل جانبها!
نتيجة لذلك، إننا نضع لأنفسنا متطلبات نتعذّر عن استيفائها، فهذا أشبه بضرب مكنسة كهربائية بعصا متعجبًا من أنها لا تخبز لكم خبزًا. نعم، مقارنة أنفسنا مع أحد آخر، لا بد منه، من أجل النمو، لكن لا ينبغي أن نقارن أنفسنا مع أحد من الإنترنت، إنما يجب المقارنة مع ذواتنا، مع نسختكم قبل أسبوع، شهر أو عام. حاولوا أن تعثروا على صوركم القديمة وتسترجعوا في الذهن إنجازاتكم آنذاك، طبعكم، وما كان يجوب في بالكم في تلك مرحلة من حياتكم؟ على الأرجح أنّكم تختلفون الآن كثيرًا عن نسختكم من الماضي، وأنا متأكّدة بـ 98% من أنّكم قد تغيّرتم نحو الأفضل. تعوّدوا على التمعّن مع مثل هذه صور كلّ ثلاثة-أربعة أشهر وحللوا ما أنجزتموه خلال هذه الفترة، وكيف تختلفون عن نسختكم في مارس، يوليو أو ديسمبر. إنّها عادة فعّالة لتحلّ محلّ عادة هدّامة.

وفقًا لدراسة أجرتها جامعة كارولاينا الشمالية، 75% من المستطلَعين يشعرون بالبؤس عندما لا يرون معنى في العمل الذي يقومون به. قد يبدو لكم أنكم مستعدين لتعبئة الحلوى مقابل مليون دولار في الساعة، لكن صدقوني، “يبدو” هي الكلمة المفتاحية هنا. بعد شهر من العمل هذا، حسنًا، ربما بعد عام، ستشعرون أنكم على شفا الجنون. وذلك لأن العمل جزء لا يتجزأ من حياة الإنسان المعاصر، حتى ولو يستغرق فقط 4-5 ساعات في اليوم. انعدام فهم لماذا تفعلون بما تقومون به، وما فائدة ذلك، ولماذا أنتم هنا أساسًا… مفاد ذلك الاحتراق النفسي والإصابة بمشكلات نفسية.
ومن دون فهم كل هذا يتلاشى دافع للتطوّر مهنيًا وتحقيق نتائج أكبر. فالاعتماد على مطاردة المال وحده لا يدوم طويلًا. الأمر أشبه بإشعال عود كبريت داخل علبة زجاجية مغلق – صحيح أن النار ستدوم لفترة، لكن بمجرد أن يحرق العود نفسه كل الأوكسجين، سينطفئ بلمح البصر.
إنني لا أعني بذلك أنه يجب الانشغال فقط بالأعمال التي تنقذ الأرواح أو التي تحمل معنىً فلسفيًا ساميًا. الفائدة قد تكون في أدنى مستوياتها – المهم، أن تعترفوا بها أنتم بأنفسكم. اعثروا في عملكم عن تلك البذرة المفقودة، واللازمة لكم، وللشركة بمشاريعها، أو لمجال العمل أو حتى للمجتمع على حد سواء. سجّلوا أدلة ذلك، مثل تعليقات الشكر على الإنترنت، أرقام وإحصاءات التي تفيد أنه شركتكم تساهم في الحد من التعرّض لمخاطر معينة. أمر كهذا لا يحثّكم فحسب، بل أيضًا يساعدكم على عدم انحراف من طريق واضح، وتعديل مهنتكم وإجراءاتكم عند الحاجة (عند فقدان المصلحة مثلاً).
تفكيركم متعوّد على “سأفعل هذا غدًا”…

أو “أنا غير مستعد لذلك”. أو بالعكس، كما في ذاك الميم الشهير: “بإمكاني القيام بهذا وقتما أحب! لكن الآن ما عندي نفس”. على الأرجح أنكم تدركون في قرارة أنفسكم أن ذلك مجرد أعذار؛ وأنه ليس هناك لحظات مناسبة ولا حالة حين يكون المرء واثقًا من نفسه مئة في المئة مستبعدًا أي شك وخطر استبعادًا مطلقًا. إن رفض الاستماع إلى هذه الأفكار (وهي قد تكون مقنعة جدًا كونها تتغذى على عادات هدامة أخرى في ترسانتكم، مثل التسويف والمخاوف) – هو فعلاً السبيل الوحيد لتحريك أي عمل من مكانه “من نقطة ميتة”.
بإمكانكم عمل كما يلي:
- صوغوا ذاك هدف أو مهمة، التي لطالما عجزتم عن إنجازها “لأن ما عندكم نفس أو وقت”. قسّموها إلى مهامٍ أصغر، إلى خطوات صغيرة جدًا، تسلسليًا. كلما سهّلتم الأفعال أكثر، زاد احتمال إنجازها أكثر. قد لا تكونوا مستعدين للالتحاق الآن بكورس لغة يابانية، لكن حتمًا بإمكانكم التعلّم باستخدام قاموس جيب بينما تكونوا في طريقكم بالمترو والاطلاع على مواقع هذه كورسات، أليس كذلك؟
- ادمجوا تنفيذ مهمة صغيرة مع أمور ممتعة والتي تعوّدتم عليها. هكذا ستسهّلون المهمة على الدماغ ليتقبّل تغييرًا. مثلاً، راجعوا التقارير أو اصرفوا المدفوعات المكروهة وأنتم تتلذذون بفنجان قهوتكم المفضّلة، أو احفظوا مفردات من لغة أجنبية جديدة بينما تفرشون أسنانكم.
إنكم لا تبحثون عن معارف جديدة فـ “تتغلغلون” في نفس دائرة

حتى لو أن دائرة معارفكم أناس محترمين، ناجحين، وطيبين بحكم طبيعتهم، لكن الامتناع عن توسيع شبكة علاقاتكم يقطع آفاقَكم من جذورها. ففي النهاية، لا أحد يلزمكم بأن تقطعوا التواصل مع أصدقاءكم القدامى؛ فالأمر هنا لا يتمحور حول النفاق ولا حول قول مأثور “الحاشية تصنع الملك” (مع أنّ الأخيرة أيضًا صحيحة). الأمر وما فيه أن أناس جدد دائمًا يقدّمون فرصًا، مواردًا، عروضًا، مخارجًا وحلولًا جديدة. ونقطة أخرى أو أن الفت الانتباه عليها هي أنّ الأشخاص الناجحين دائمًا يسعون للانضمام إلى دوائر أكثر نجاحًا. وتعلمون لماذا؟ لأنّنا افتراضيًا نأخذ المثال من صحبتنا. الأشخاص الأكثر نجاحًا وخبرةً ونفوذًا وثراءً يستطيعون مشاركة معارفهم، وأن يعرّفونكم على جهات اتصالٍ مفيدة، أو حتى أن يكونوا مرشدكم أو مجرد نموذجًا يُحتذى به بالنسبة لكم.
إذا تريدون تنفيذ أقصى إمكاناتكم، أنصحكم بالسعي إلى ما يلي:
- أحطوا أنفسكم بمَن يتفوّق عليكم في أمر ما، حتى لو يثير هذا حفيظتكم في البداية، حين يراودكم شعور بالغيرة أو فقدان الثقة بالنفس.
- احضروا فعاليات مهنية بانتظام، ولا تقتصروا عليها. كونوا منفتحين على معارف جديدة، وبادروا بالتعرّف والتحدث مع الآخرين.
- كونوا متودّدين ومتفاعلين مع رؤسائكم. فهذه إمكانية ممتازة للتعلّم من خبرتهم، ولديكم فرصة لإظهار مبادرة في العمل (ولا بد من القيام بذلك!).
إنكم تعملون 24/7 وتكونوا دائمًا على تواصّل
عند النظر إلى الناجحين، وبعد قراءة ما ورد، قد يتشكّل لديكم رأي باطل في أن النجاح لا يتحقق إلا لمن عنده الإدمان على العمل. لكن هذا غير صحيح. ينجح ذاك مَن يعلم كيف يوزّع موارده، وكذلك موارده الداخلية، بشكل رشيد ومَن يشحنها في الوقت المناسب. لذا، قد تعتقدون أن فلان لا يتوقف عن العمل، أما في الواقع، هو يرتاح بشكل منتظم، لكنه يتجنب ركود لفترات، فموارده لا تُستنفد على حساب رعاية الذات.
إليكم نصيحتي للتخلّص من العادة هذه ومن الإدمان على العمل من جذورها:
- الغوا متابعة كل الأشخاص الذين يثير الفكر بفعاليتهم لديكم شعورًا بالتوتر عندما تحاولون أخذ قسط من الراحة. نعم، هنا نعود إلى البند الأول. بسبب شخصيات من قبيل إيلون ماسك، الذي ينشر على تويتر: “رجعتُ من المصنع في الثالثة صباحًا” أو “احتفلتُ بعيد ميلادي في العمل”، إننا نلوم أنفسنا على كل دقيقة لم نخصصها لأداء مهمة. تقليل الضجة المعلوماتية، التي تنشّط كل ذلك، – خطوة هامة.
- توقفوا عن الرد على كل رسالة فور استلامها. أوقفوا إشعارات بهاتفكم، اقتصروا على ذاك الحدّ الأدنى اللازم من التطبيقات، من مثل تيليجرام وبريد العمل. ولا تردّوا بنفس الدقيقة حتى في الأمور المتعلقة بالعمل. أولًا، انجزوا ما عليكم في الوقت الراهن، ثم خُذوا قسطًا من الراحة لخمس أو عشر دقائق، وردّوا على مَن يجب. التواصل غير المنقطع والنشاط المفرط يصبان في الاحتراق.
- تخلَّوا عن تعدّد المهام. إننا نشعر بأننا ننجح حين ننجز عدة أمور في آن واحد، لكن تحويل الانتباه بشكل مستمر مضرّ للدماغ، كما يضرّ التركيز المفرط على هدف واحد. انتقلوا إلى مهمة جديدة كل 40 دقيقة على الأقل، لا أكثر من ذلك.
- تمعّنوا في المستقبل. اليوم طوّلتم في الشغل حتى الحادية عشرة ليلًا، فكيف لكم أن تقوموا بعملكم غدًا من دون قسط وافر من الراحة؟ اجعلوها قاعدةً لنفسكم: “ارتَح اليوم لكي تعمل غدًا أفضل”. إذا لديكم، مثلاً، مناقشة مشروع في نهاية الشهر، فمن غير المرجح أن الأمر سيجري على ما يرام طالما طاقتكم كلها يعدمها الروتين.
إنّكم تتجاهلون إيقاعكم الحيوي ومميزاتكم الشخصية

تأجيل مهام مهمة وصعبة إلى نهاية اليوم أمر غير منطقي جدًا إذا تشعرون بأعلى درجات الإنتاجية في الصباح بعدما تستيقظون من النوم. والعكس صحيح: إذا دماغكم بايظة في الصباح، فلمَ تؤجلون ملء تقرير بأرقام مع عشرات الأصفار؟ حلّلوا متى يكون دماغكم أكثر نشاطًا ومتى تكونوا بأفضل حالاتكم، وقوموا بمهام مهمة خلال هذه الفترات. وبالمناسبة، علماء النفس ينصحون بإنهاء اليوم بمهام بسيطة خفيفة بحيث يشعر الدماغ بأن اليوم برمته أيضًا لم يكن شاقًا، طالما نهايته كانت غير صعبة.
ولا يقلُّ أهميةً الاستماع إلى مميزاتكم أخرى، مثل، وتيرة العمل المريحة لكم، وسمات الطبع أكثر تطورًا، مهارات وإلخ. هذا لا يعني عدم السعي إلى سدّ الفجوات أو تعويض النواقص؛ الأمر وما فيه هو أن رفع الكفاءة دائمًا مشترط برفع الرهان على المزايا. أنا، مثلاً، كنتُ أتعلّم بسرعة فائقة، وعندما كنت مضطرة لـ “أطـوّل بالي” مع صفي في موضوع طوال الحصة كلها، بدلًا من تغطية ثلاث أو أربع مواضيع خلالها، فإنني كنتُ أشعر بالملل، وتركيزي كان يضعف، ودرجاتي تقلّ. الحل تبيّن سهلاً جدًا: إنني أنهيت المدرسة بنظام التعليم الحُر وسجّلتُ في تخصص مزدوج في الجامعة. أي أنني ما قيّدت نفسي بأطر غير مريحة لي، وخططتُ مشواري التعليمي بطريقة أكثر مثلى بالنسبة ليّ. فاتبعتُ نفس المنهج في مهنتي – وأنصحكم بالمثل.
“لا تقصّوا العشب”
أو، بعبارة أخرى، لا تنفذوا المهام، التي يمكن تفويضها للآخرين. مثلاً، إنكم تقيمون في بيت خاص، وكل أسبوعين قصّ عشب حديقة البيت تستغرق من ثلاث إلى أربع ساعات. بما أنكم تسكنون في بيت خاص بكم، ووضعكم المادي سمح لكم بذلك، فلا شك أنكم ستجدون مبلغًا لتوظيف من سيعتني بقصّ العشب. بإمكانكم قضاء تلك أربع ساعات في أمور مفيدة لمهنتكم أو لحالكم، مثل، أخذ قسط من الراحة قبل العمل، قراءة أدب مهني، حضور فعالية عمل، إلخ.
وأسوأ الحالات عندما تمنعكم مثل هذه مهام، القابلة للتفويض، من القيام بأشياءٍ أهمّ منها، كالسفر حول العالم، مثلاً.
والأمر ذاته ينطبّق على العمل. إذا يوجد في مكتبكم مَن يمكن تفويض له مهمة شراء أوراق طابعة – فلا تتردّدوا في القيام بذلك. حرّروا يومكم قدر الإمكان من الأنشطة، التي:
- لا تساهم في ترقيتكم مهنيًا؛
- لا تمكّنكم من كسب مهارات جديدة أو توسيع مهاراتكم الحالية؛
- لا تستعيد طاقتكُم ولا تحسّن حالَتَكم الجسدية أو النفسية.
بالتأكيد، قائمة “العادات السيئة” لا تُحصى. فهناك على الأقل مئة نقطة أخرى التي أستطيع إضافتها. لكن للقيام بذلك لا بد من كتابة سلسلة كاملة من مقالات (وقد أقوم بذلك لاحقًا)، فإنني أقدّم كل هذه النصائح حصريًا من تجربتي الشخصية ومن الأخطاء التي وقعتُ فيها. ما يهم — أن تتابعوا الأشياء التي تضعف حالكم وتفقِدُكم فعّاليّتَكم. وللقيام بذلك بإمكانكم تدوين يومياتكم في دفتر أو مفكّرة. لكن احذروا من هوس النجاح في العمل — فالنجاح في الحياة الشخصية له نفس قدر من الأهمية.