مصائد التفكير: دليل مفصّل لكيفية خروج من طريق مسدود وعدم وقوع ضحية لعقلكم الباطني

قد لا تدركون حتى حجم التأثير على حياتكم ما يُعرف بـ الانحرافات المعرفية، أو، ما يمكن تسميته بـ مصائد التفكير. إنها تلك المعتقدات غير الرشيدة والنظرات المسبقة المتحيزة على الأمور، والقوالب السلوكية التي تارةً يصعب إدراكها أو تفسيرها. غالبًا عوامل داخلية كهذه تجلبنا إلى طريق مسدود، وتمنعنا من التطوّر؛ سواء شخصيًا أو مهنيًا، معرقلاً تقدّمنا الوظيفي، ومعقّدًا جوانب ونواحي كثيرة في حياتنا. في هذه المقالة نستعرض أكثر مصائد التفكير انتشارًا في مجالات مختلفة، متطرقً في الطرق للتخلّص منها بشكل سريع وبأقل قدر من الإزعاج.

كيف تظهر الانحرافات وكيف تهدِدُنا

يجوز القول، إنّ الانحرافات الإدراكية — هي أخطاء في تفكيرنا؛ نماذج غير رشيدة هدّامة، التي تشكّلت في وعينا وترتبط بأخطاء في الذاكرة، وخبرتنا الاجتماعية، والقوالب النمطية والكليشيهات. يُقال إن ما يسبب الانحرافات المعرفية هو شعور مفرط بالتوتر من إحدى جوانب الحياة، التوتر الزائد، مبالغة في التقييم أو بالعكس، تقليل من قيمة الإمكانات الذاتية ومن إمكانات ناس من حولنا. بمعنى، فإن مصائد التفكير كهذه مشترطة بضوابطنا، قيّمنا، مبادئنا، المتشكّلة بدورها، تحت تأثير مجتمع.

بالتأكيد، يجوز تجنّب انحرافات كهذه، لكن هذا يتطلب ضبطًا متواصلاً لأفكارنا، أفعالنا وقراراتنا. وفي هذا تتلخص المشكلة الرئيسية — فإدراك ما يحصل، والبقاء متصلاً بالواقع، أمران عسيران. كقاعدة، إننا نجد صعوبة في تقبُّل أخطائنا وأفكار غير منطقية التي تراودنا. وقوع ضحيةً للتفكير المنحرّف قد يكون مزعجًا للغاية، بل وحتى مخيفًا. مع ذلك، يحصل هذا – عاجلًا أم آجلًا – مع كلّ واحد منّا. المهم — هو استيعاب تلك الحالة حين تقعون تحت تأثير التفكير غير الرشيد، والتغلّب عليها بشكل سريع. بخلاف ذلك، يتجاهل الفرد أخطاءه وتقوده انحرافات هذه إلى مزيد من الضغوط والاضطرابات النفسية، وخلل في عمل الجسم، وفي بعض الأحيان قد يسوء الأمر وصولاً إلى الاحتراق الوظيفي والاكتئاب. بالتالي، من أجل تحسين الخلفية العاطفية، رفع مستوى الإنتاجية الخاصة، والوقاية من اضطرابات التوتر، ضبط الوعي الذاتي والتحكم في تدفّق الأفكار المولدة – أمران في غاية الأهمية.

أكثر مصائد التفكير انتشارًا وكيفية التصدّي لها

من المعروف أن “أعذرَ، من أنْذرَ”. كلما تعلمتم أكثر عن مصائد التفكير زادت فرصكم أكثر لعدم وقوع في إحداها. دعونا نتطرق في الانحرافات الخمسة الأكثر انتشارًا وفي طرق التعامل معها:

رقم 1. متلازمة المحتال

“صراحةً حالفني الحظ في الحصول على هذا العمل”، “في الواقع إنني لست محترفًا كما يظنون”، “مديري يستمع إلى نصيحتي، لكنه قريبًا سيكتشف أنني خبير سيء، وسيطردني”. تمعّنوا، هل راودتكم أفكار كهذه؟ إن لاحظتم أنها تراودكم من حين لآخر، فقد قابلتم متلازمة المحتال.

التعريف والأسباب. يُطلق هذا على شعور وسواس بعدم الثقة بالنفس والإمكانات الشخصية؛ إحساس، بأنكم في مكان غير مناسب لكم، أو أنكم تشغّلون منصبًا لا تستحقونه. في هذه الحالة قد يبدو أنكم لا تمتلكون تلك العلوم والمهارات التي يُنسبها إليكم الآخرون. تتفاقم هذه المشاعر إلى شعور بالخوف من أن يتم “كشفكم”. بسبب “المحتال” هذا، كقاعدة، ينغمس الفرد في الإدمان على العمل والسعي لإرضاء الجميع وإبهارهم، متسترًا مع ذلك على الرأي الشخصي والمشاعر الحقيقية.

تشير دراسات العلماء إلى أن نحو 70% من الناس في العالم يعانون من هذه المتلازمة. ونجاحهم، إنجازاتهم المهنية والشخصية يعزونها إلى حليف الحظ أو ظروف مواتية، لا إلى جهدهم أو مثابرتهم أو مهاراتهم ولا مواهبهم. في أغلب الأحيان تعود جذور هذه المتلازمة إلى الطفولة. مثلاً، بسبب المتطلبات المفرطة من طرف الوالدين، الذين يتوقّعان إثباتات لنجاح طفلهما عبر التفوق في الدراسة، سلوك مثالي، حصد جوائز في مسابقات، وإلخ. حينها يتعوّد الطفل على الحاجة المستمرة إلى بلوغ قمم أعلى فأعلى مستعرضًا قدراته. على خلفية كهذه يتطوّر شعور متزايد بالتوتر والقلق، إذ يخشى الطفل من ألا يُخيب آمال والديه، وأن يكون دائمًا جيدًا بما فيه الكفاية.

وقد تتشكّل متلازمة المحتال ردًا على مقارنة متناوبة مع أقران الأكثر نجاحًا، أو مع أقارب، مدوّنين أو نجوم. كثيرًا ما تنجم حالات عدم الثقة بالنفس من هذا القبيل عن انتقادات لاذعة والتقليل من شأن نتيجة عمل ما. لهذا يُكثر “المحتالون” وسط أفراد المهن الإبداعية، مثل الفنانين والممثلين والموسيقيين والكتّاب. فبشكلٍ أو بآخر استيعاب الفن دائمًا يرجع إلى الذات. وأكثر من ذلك، في المجالات هذه تحديدًا سباق التنافس يكون أشد وأقسى.

التشخيص. هناك أنواع عدة لـ “المحتالين”، منها:

  • الكماليون، الذين يسعون إلى أن يكونوا أفضل من غيرهم في كل شيء، متجاهلاً أن هذا مستحيل؛
  • العباقرة، الذين اعتادوا منذ طفولتهم على أن كل شيء يُعطى لهم بلا كلل، لذا يراودهم الشك بقواهم عندما يكبرون ويتصدّون للصعاب؛
  • الفرديون، وهم متيقنون من أنهم قادرين على الإنجاز بمفردهم، دون مساعدة من الخارج، ويراودهم شعور باليأس حين تنتهي قواهم؛
  • الخارقون، أو سوبر مان، الذين يؤمنون بضرورة العمل ليلًا ونهارًا من أجل تحقيق النجاح. ويراودهم شعور بالذنب عندما تظهر رغبة في أخذ قسط من الراحة.

لتحديد ما إذا لديكم متلازمة المحتال، بإمكانكم إجراء اختبار خاص، المطوّر على يد دكتورة بولين روز كلانس. من ضمن أسئلة الاختبار:

  • هل تعتبر نفسك خبيرًا كفؤًا؟
  • هل تتجنب تقييم غيرك؟
  • عندما أحد يمدحك، هل تظن أن هذا مجرد مجاملة؟
  • هل تنسب إنجازاتك إلى الصدفة؟
  • هل يقلقك عدم إرضاء توقعات غيرك؟
  • هل تقلق من الفشل؟
  • هل تؤمن بالخرافات؟
  • هل يبدو لك أنه بإمكانك تحقيق أكثر؟
  • هل تقارن نفسك بزملائك في كثير من الأحيان؟

هكذا، كلّما أجبتم بالإيجاب أكثر برزت لديكم متلازمة المحتال أكثر.

العلاج. هناك عدة توصيات رئيسية التي يجب تنفيذها بتناوب محدد للتغلّب على متلازمة المحتال، أو على الأقل للحد من تأثيرها. من ضمن هذه التمارين:

  • التركيز على الإنجازات الخاصة. خصّصوا دفترًا حيث ستدوّنون بخط يدّكم جميع الإنجازات التي حققتموها طوال حياتكم. يجوز إنشاء قائمة أخرى لأهم إنجازات في عام ماضي. بعد رؤية بأم عينيكم كل ما حققتموه مرةً، وما تفتخرون به الآن، ستدركون أن هذا يتعذّر تفسيره بأن الحظ قد حالفكم فحسب. لكل بند من إنجازاتكم إنكم قد بذلتم قدرًا وافرًا من جهدكم الشخصي ومواهبكم من أجل أن يتحقق على أرض الواقع.
  • التفكّر الذاتي. إن مهارة وعي الذات، أي قدرة الفرد على تحليل الذات بشكل موضوعي، وتقييم الأفعال والسلوكيات، تبعثُ شعورًا بالثقة. بمعنى، بفضّل التفكّر الذاتي إنّكم تدركون نقاط القوة لديكم، مزاياكم أمام منافسين، وتتعلمون الاعتماد على أنفسكم بشكل أكبر. كما يخدم التحليل الذاتي بمثابة دافع ممتاز لتطوير نقاط الضعف في الشخصية والارتقاء بها. هكذا، تقتضي عملية التفكّر الذاتي التخلُّص من عادة تلقيب ما قد حدث وحصل في حياتكم. والآن يجب عليكم أن تحلّلوا ما حصل، مسلّطًا الضوء على الآثار الإيجابية، والسلبية، المترتبة عن ذلك، وفهم كيفية انعكاس هذا عليكم، وعلى قدرتكم على تحسين الوضع. ولتنمية مهارة التفكّر الذاتي يجب أن تتابعوا أنفسكم في الحياة اليومية، وتلاحظوا مجرى أفكاركم ومشاعركم، أسباب ظهورها وما يترتّب عنها.
  • التغذية الراجعة. اطلبوا رأي أقاربكم، أصدقائكم زملائكم في العمل. حصد تعليقات إيجابية وصريحة سيساعدكم على رفع تقييمكم للذات والإيمان بالنفس.
  • التخلي عن الكمال. بعد تلقي مهمة جديدة، لا تثابرون إلى تنفيذها بشكل مثالي لا تشوبه شائبة. أفضل شيء هو أن تقوموا بعملكم بشكل نوعي وعلى أفضل وجه ممكن على قدر مواردكم. ولا تنسوا أنه الإلمام بجميع العلوم في العالم أمر مستحيل، بالتالي لا بأس إن قلّت خبرتكم قليلاً في مجال ما. المهم هو — الرغبة في التطور والارتقاء بالذات.
  • تقبُّل الإخفاقات. مهما تمنينا، لكن يتعذّر تجنّب إخفاقات بشكل كامل. حتى أكثر الشخصيات نجاحًا وشهرةً قد تعرضّوا للفشل، والانتقادات، بل وحتى للكُره بأجلى صوره. لكن هذا لم يمنعهم من التطوير وبلوغ قمم في شغلتهم المفضّلة. اقتدِوا بهذا المثال.

مع ذلك كل واحد منَّا تراوده متلازمة المحتال بطريقة مختلفة. إذا حالة كهذه تعيق حياتكم، ويتعذّر التعامل معها بأنفسكم، حينئذ يفضّل مراجعة خبير مختص. مع خبير نفسي بإمكانكم تحديد السبب الكامن وراء هذا الشعور، ووضع خطة خاصة لكم للتغلّب على هذه المتلازمة.

رقم 2. التفكير الكارثي

لنفترض أنكم انشغلتم لدرجة أنكم ارتكبتم خطأً في تقرير ربع سنوي. بالتالي، سيتحتم عليكم التّأخُّر في الشغل أو حضور في صباح مبكر في اليوم التالي لتصحيح الخطأ المرتكب. لكن من يميل إلى التفكير الكارثي لا يرى الأمر بهذه السهولة، فيقول في قرارة نفسه: “يا نهار أسود! فشلت بهذه المهمة، إذًا، أنا خبير سيء، سيطردونني”.

التعريف والأسباب. يسمّى بالتفكير الكارثي سلوك غير واعٍ مبالغ فيه في تقدير احتمال وقوع شيء سيء. إنه أحد مكوّنات نمط التفكير السلبي، وتحديدًا المبالغة، مع التركيز على أسوأ أنواع السيناريوهات ولا سواها. قد تتشكَّل عادة كهذه بعد خوض تجربة مؤلمة، مثل علاقة صعبة، خلاف دائم في أسرة، غدر، حادث أو كارثة.

كقاعدة، يميل إلى التفكير الكارثي مَن يعاني من الاضطرابات النفسية مثل الاكتئاب، اضطراب ما بعد صدمة، الوسواس القهري، اضطرابات التوتر، أو اضطراب نقص الانتباه.

بطريقة أم بأخرى، تقريبًا كل واحد منَّا قد مرّ طوال عمره بخللٍ عاطفي معيّن. بالتالي، كلنّا معرّضين لخطر الوقوع في التفكير الكارثي.

التشخيص. تحديد ميل الفرد إلى التفكير الكارثي سهل من الخارج. من الصعب جدًا تحديد هذه العملية حين يشرع الوعي الذاتي في توليد أفكار سلبية أكثر فأكثر وإقناعكم بها.

كثيرًا ما يتغلّب هذا على الفرد لدرجة أنه قد يعجز عن الخلود إلى النوم طوال الليل كلّه، متمعّنًا في سيناريوهات مخالفة لحدث أو لآخر. حينها تتغلّب الكارثة المصطنعة على كافة الأفكار الأخرى في الوعي، حتى أنها تمنع الانتقال إلى ذكريات طيبة.

مع ذلك قد تستهدف أفكار سلبية أي شيء على الإطلاق. مثلاً، إذا شخص غالي عليكم لا يرد على مكالمتكم من أول مرة، فعلى الأرجح إن في عقل الشخص الكارثي تتبادر فورًا فكرة أن المتّصل به قد تهوّر في حادث، وحتى أنه قد لقي حتفه. تصطحب أفكار كهذه كثيرًا مَن يعاني مِن مرض الهجاس؛ فالمصاب بهذا المرض يؤول شامة صغيرة على جسمه إلى مرض خطير كالسرطان.

هكذا، إذا لاحظتم في أنفسكم أنكم تميلون إلى مبالغة أمور واردة الحدوث وما يترتّب عنها، بالكم دائمًا مشغول بأفكار سلبية التي يتعذّر تبريرها منطقيًا لأنها تخلو من أي أساس فعلي، فمن المرجح أنكم تعانون من التفكير الكارثي.

العلاج. بالتأكيد، ليس هناك علاج قياسي للتخلُّص من الأفكار الوسواسية. لكن هناك عدة تمارين، التي تساعدكم على الحفاظ على تواصل مع الواقع، ورسم حدود لمخيلتكم:

  • دائمًا كونوا في اللحظة الراهنة، ودرّبوا وعيكم. حاولوا التركيز على الحاضر دون الانغماس في افتراضات “وماذا، لو…؟”. فور أن تتسلل أفكار مقلقة إلى وعيكم، حاولوا أن تجدوا ما يفسّر ذلك وما يدلّ ويثبت عكس ذلك. إذا يتعذر التغلب على القلق، جربوا الاستعانة بتقنيات تأملية، مثلاً، ابدؤوا بممارسة التنفس الواعي. إنها ممارسة قياسية التي يمكن القيام بها في أي زمان ومكان: خذوا راحتكم في الجلوس، ضعوا قدميكما أمامكم مباشرًا، استقيموا ظهركم. تأكّدوا من أن لا شيء يشتت انتباهكم، أغمضوا عينيكم وحاولوا “إيقاف تشغيل” وعيكم لمدة عشر دقائق. اهدؤوا تنفُّسكم وركّزوا كل انتباهكم على الشهيق والزفير. سيمكِّنكم هذا من ترك الأفكار المثيرة للقلق والرجوع إلى الحالة الطبيعية. وهناك ممارسة أخرى من تمارين اليقظة الذهنية، التي يُفضّل القيام بها في البيت كل صباح أو مساءً: استلقِوا على الأرضية (يجب أن يكون السطح صلبًا)، تخيلوا جميع الافتراضات التي تثير لديكم القلق، ولا تفكُّ عنكم، في شكل سُحُب. تخيلوها، تمر أمامكم بكل هدوء. سيساعدكم ذلك على إلقاء نظرة على جميع المخاوف والشكوك التي تراودكم من الخارج، تهدئة الحال الانفعالي وشعور بالتحكم على الوضع.
  • اقتنوا يوميات أفكاركم ومشاعركم. إنها طريقة فعّالة للتغلّب على شعور بالتوتر. تستخدم هذه الطريقة كثيرًا في العلاج السلوكي المعرفي. الطريقة سهلة جدًا: خصّصوا دفترًا (ملاحظات في هاتفكم المحمول تفي بالغرض)، دوّنوا هناك كل ما يراودكم بالأفكار والمشاعر والمواقف التي استفزتكم. سيساعدك هذا على إلقاء نظرة على أفكار سلبية من الخارج والتخلّص منها من خلال نقلها على ورقة. ومن الأيسر القيام بذلك في شكل جدول. مثال:
الموقف الشعور الفكرة التحليل الاستنتاج
صِفوا الحدث الذي أثار لديكم رد فعل صِفوا شعوركم تجاه ذلك تذكّروا أول فكرة التي تبادرت تلقائيًا إلى ذهنكم قيّموا المشاعر والأفكار التي راودتكم بشكل موضوعي استنتجوا لمَ راودكم ذاك شعور أو آخر
  • ضعوا جدولاً ” للتوتر”. كما اكتشفنا، لا يجوز التخلّص من الأفكار المثيرة للقلق بشكل كامل. وإذ أنها تتغلّبُ عليكم بشدة، فلا بد من تخصيص 10 – 20 دقيقة من وقتكم لتتمكنوا من شعور بالقلق بأريحية من دون التفكير بأي شيء آخر. في غضون هذه المدة نفضوا كل ما تراكم لديكم من السلبية، تمعّنوا حتى أسوأ السيناريوهات وأكثرها غرابةً لما قد يحصل، وبإمكانكم أيضًا أن تقولوها بصوت عالٍ. أؤكد لكم، في النهاية ستتوصّلون إلى أن معظم أفكاركم غير رشيدة، هدّامة، لا تستند إلى مبررات منطقية، ولا تستحق أن تشغّل البال كل اليوم. هكذا، بتخصيص فترة من الزمن حصرًا لما يثير التوتر، سيتسنى لكم الرجوع بسرعة إلى الأمور الهامة.

مع ذلك، مراجعة خبير نفسي قد يكون خيارًا مناسبًا بالقدر نفسه، بالأخص إذا الأفكار المثيرة للتوتر تسبّب لكم إزعاجًا جسديًا ملموسًا.

رقم 3. التفكير القطبي، أو التفكير الأبيض والأسود

“لقد كان هذا مذهلًا!” أو “فشل ذريع!”. “أنا أنجح مخلوق على وجه الأرض!” أو “أنا فاشل في كل شيء” — كقاعدة، ضمن معايير كهذه يفكر شخص ذو التفكير القطبي.

التعريف والأسباب. في الواقع، التفكير القطبي، أو التفكير الحدّي، — إنه عادة بنفس قدر التعوّد على التفكير الكارثي، مثلاً. لكن عندما يميل المرء إلى نمط التفكير القطبي في الأفكار، فالمرء يسترشد بتقييمين فقط لكل ما يحصل: إما جيد، أو سيء. بمعنى، أن العالم عند هؤلاء ينقسّم إلى قطبين + و – على التوالي. ولا وجود لحلول وسطى، ولا مساحة رمادية معتدلة عند هؤلاء.

غالبًا ما تعود جذور هذا النوع من التفكير إلى الطفولة. فالطفل طوال مراحل نموه يتصدى إلى أن بعض الأمور “جيدة”، وبعضها الآخر — “سيء”. هكذا، يربي الآباء المتحفِّظون أولادهم في إطار نموذج تربوي قطبي من هذا القبيل، متجاهلاً أنّ هناك أشياء وسط؛ وما يمكن وصفه من دون تقييم إيجابي أو سلبي ولا تلقيب.

كما قد يبرز التفكير الثنائي كآلية دفاعية ردًا على التردّد والقلق. لأننا حين نصادف معلومات متباينة ولا نعلم كيف نستوعبها، يفرز العقل بنفسه المعطيات مفرزًا إياها في فئات أكثر تباينًا، وبالتالي ملقبًا إياها.

أيضًا، نمط التفكير كهذا في صيغة “إما كل شيء، أو ولا شيء” قد تستفزُه حالات نفسية، مثل اضطراب الشخصية الحدّي، النرجسية، الوسواس القهري، القلق المتزايد، والاكتئاب.

التشخيص. إذا لاحظتم أنكم تميلون إلى رؤية العالم في فئتين فقط — إما بالأبيض أو بالأسود — إذًا، إنّكم وقعتم ضحية للتفكير القطبي.

من يميل إليه يتجاهل درجات انتقالية، إمكانية التوصّل إلى حل وسط وإيجاد أرضية مشتركة. جميع الأشياء المحيطة، وما يحصل من حولهم وحتى أشخاص آخرين يعتبرونهم هؤلاء إما فقط جيدين أو فقط سيئين؛ إما صحيحة كليًا، أو غير صحيحة كليًا.

بالتالي، يؤدي ذلك إلى تيسير الواقع بشكل مفرط، يعيق رؤية العالم بتفاصيله وإشكالياته. وأكثر من ذلك، ينعكس هذا أيضًا على حرية التصرّف وجودة حياة شخص ذو التفكير القطبي. كقاعدة، الشخص يعجز عن الارتجال، اتخاذ قرارات سريعة، والتنوّع. شخص كهذا يلتزم بقواعد حرفيًا ولا يسمح لأحد آخر بمخالفتها.

تابعوا حالكم واكتشفوا التوتّر لاستخدامكم للكلمات التالية:

  • دائمًا،
  • أبدًا،
  • مثالي،
  • فظيع،
  • مستحيل،
  • كارثة،
  • فوز،
  • نجاح،
  • فشل.

بالتأكيد، من حين لآخر كلّنا نقول أشياء كهذه. لكن إذا لاحظتم أنها باتت تتكرر أكثر، فقد يدلّ ذلك على أنكم تصبحون راديكاليًا أكثر فيما تقولونه.

العلاج. هناك عدة طرق التي ستساعدكم على التخلّص من التفكير الثنائي. مثال:

  • انتبهوا وراء أنفسكم وحددوا علامات التفكير القطبي. في كل مرة حين تقيّمون حدثًا أو آخر ملقبًا إياه بأنه إما “جيد” أو “سيء”، توقفوا، واسألوا نفسكم إن كانت الأمور فعلًا كذلك. حاولوا أن تعزلوا نفسكم، وعامةً تتجنبوا استخدام مفاهيم قطبية، مستغرقًا في فئات تخلو من أي تقييم.
  • اعترفوا لنفسكم بأنكم غير مكتملين. في الواقع، لا يمكن لأيّ أحد منَّا أن يكون في ذروة إمكاناته ونجاحه يومًا بعد يوم. لا داعي لتوبخوا نفسكم من وراء خطأ أو إخفاق. فهذا لا يعني إطلاقًا أنكم شخص سيء، خبير غير كفء، أو مترشح غير جدير. التطوّر الشخصي ما يحصل في لحظة واحدة، إنها عملية تدريجية، من المهم جدًا لأجلها الاعتراف كل يوم، بكل خطوة، مهما كانت صغيرة.
  • طوّروا التفكير المرن. هكذا يطلق على قدرة الإنسان على التكيّف بسرعة مع ظروف جديدة، إيجاد حلول غير قياسية لمشكلات، إبداء فضول صريح من كل شيء جديد. ولتقوية هذه القدرة، من المهم أن الانتباه دائمًا إلى رأي معاكس لرأيكم، النظر في مشكلات من نواحي مختلفة؛ خروج من الزاوية المعتاد عليها، تجربوا أشياء جديدة بانتظام والتعرّف على ناس مختلفين. والتخلّص من التفكير القطبي من خلال المرونة الإدراكية يستوجب (هذا مهم!) تدوين فكرة الأبيض والأسود الملتقطة في بالكم كل يوم. ثم يجب إعادة صياغتها من خلال التفكير المرن وتحويلها إلى عبارة حيادية. مثلاً، أول فكرة قد تبدو كالآتي: “ما رحت النادي مجددًا، ما أكسلني، أنا أعجز عن تحمّل المسؤولية”. بدلًا من إلقاء اللوم على نفسكم، قولوا: “لقد كان يومًا شاقًا في العمل، إنني مرهق، فقررت ما أروح النادي. سأقوم ببعض التمارين في البيت”. هكذا، في صيغة جديدة إنكم تتخلصون من أن تصدروا حكمًا لنفسكم، وتجدون حلًا بديلًا للمشكلة.

بهذا الشكل، يمكن أن يتحوّل التفكير بالأبيض والأسود إلى حجة مقنعة لتبدؤوا حوارًا مع نفسكم، الذي طال انتظاره. عدة طرق من المذكورة ستساعدكم على التخلص من عدم الرضا عن نتيجة نشاطكم، مرتقيًا إنتاجيتكم الشخصية بشكل كبير.

رقم 4. التخصيص

قد يبدو التخصيص هكذا: إذا أحد موظفيك تأخّر مرة عن الشغل أو فوّته موعد نهائي لتسليم مشروع، فإنكم تلقون اللوم على نفسكم متردّدًا: “إذًا، أنا مدير سيء”.

التعريف والأسباب. التخصيص: هي حالة حين يميل الفرد إلى أخذ كل شيء على محمل شخصي، إذا أمور لا تتعلّق به بشكل مباشر. بمعنى، شخص كهذا يظن أنه هو سبب من وراء كل ما يحصل، متجاهلاً أن الموقف قد لا يتعلّق به على الإطلاق.

هناك عدة أسباب رئيسية لتعرّض ناس إلى هذا الانحراف. من بينها، بالتأكيد، التجارب المؤلمة من الماضي. وراء تقبّل كل ما يحصل ويتوالى على محمل شخصي قد يقف لوم الوالدين لطفلهما بشكل منتظم، وضغوط متواصلة. يثير هذا شعورًا عند الفرد وكأنه هو تحديدًا مذنب بكل ما يجري، وبالتالي أنه يستحق تعاملاً كهذا. وأكثر من ذلك، صدمات الطفولة هي تحديدًا مَن يشكّل تقييمًا منخفضًا للنفس، والذي، بدوره، يستفزُ التشخيص. في هذه الحالة يهتم الفرد جدًا برأي الآخرين عنه. كما يتقوى التشخيص من الحاجة إلى الموافقة على المحيطين. هكذا، يسبب التقييم المنخفض انحرافًا للواقع حيث يبدو للفرد أن الجميع يعتبرونه شخصًا فاشلًا، عاجزًا وحتى تافهًا. مع ذلك، تحمّل كل شيء على محمل شخصي بشكل مفرط يظهر أيضًا عند من يبالغ في تقييم نفسه. فهؤلاء يعتقدون أنهم مركز الكون، وبالتالي لا عجب أنهم يربطون كل ما يحصل حولهم بأفعالهم. كذلك، من يعاني من التوتر الاجتماعي والقلق المتزايد لديهم رهاب، متعلّق بإدانتهم من قبل المحيطين بهم. أفكار وسواسية من هذا القبيل أيضًا تستفز التخصيص.

التشخيص. من أبرز مؤشرات التخصيص هو اضطراب ردود فعل عاطفية. فإذا إدراكهم يستوعب حتى كلام إيجابي أو مديح متشككًا منه وانتقاديًا، وتأتون باستنتاجات متعجلة، وحين تتغلّب الانفعالات على العقل، من المرجح جدًا، أنكم قد تعرّضتم لتشخيص مفرط.

النقد الذاتي المبالغ — من الدلالات الأخرى على التخصيص. عندما موقف عاكس كهذا من الفرد تجاه نفسه يتجاوز الحدود مستوليًا حرفيًا على الانتباه كلّه، فحينئذ يظهر إحساس، وكأن العالم كلّه مركّز عليكم. دلالة بارزة أخرى لتحمُّل كل شيء على محمل شخصي — تفسير غير صحيح وحساسية مفرطة من انتقاد من الخارج. مثلاً، إذا المدير يقول إنكم تفتقرون إلى المهارات للترقية، فهذا يعني فقط أنه أمامكم قليل لتتعلموه، اكتساب خبرة جديدة بحيث “تبلغوا” المنصب المرغوب. الشخص، الذي يميل إلى التشخيص، يستوعب الأمر برمته فقط بشكل سلبي، ويقرر أنه عامل فاشل. وفعلاً، تقبُّل أي معلومة، مهما كانت حميدة، قريبًا من القلب بهذا الشكل، يعقّد جدًا حياتنا. لكن هذا يجوز تغلّب عليه.

العلاج. إليكم عدة طرق، التي ستساعدكم على الابتعاد قليلاً من خضم الأحداث:

  • غيّروا زاوية النظر. حاولوا إلقاء نظرة على موقف من الخارج، قيّموا جميع الأسباب المحتملة لما قد حصل، من دون تلقيب أي شيء مع ذلك. لا بد من التعلّم على كل ما يجري من زوايا مختلفة، وأحيانًا أن تضعوا نفسكم مكان الآخرين، مثلاً، عن طريق تخيلكم في دورهم؛ أولئك، مَن تحمّلتم كلامهم قريبًا جدًا من القلب. على الأرجح، الشخص الآخر لم يقصد أن يزعلكم، لذا امنحوه افتراض البراءة وتعاملوا مع الموقف بالعقل البارد.
  • تعلّموا رؤية جانب إيجابي في كل شيء. كقاعدة، المشكلة التي تلاحق من يعانون من ردود فعل مفرطة تكمن في أنهم لا يلاحظون لحظات إيجابية في موقف أو آخر، فيتجاهلونها كليًا، مركّزًا فقط على السلبية. للتغلّب على هذا، تعلّموا أن توقفوا نفسكم لحظة ظهور أفكار غير مرغوبة، وحرفيًا تحويلها إلى تردد إيجابي. تارة ستجدون صعوبة في القيام بذلك، لكن مع بذل قدرًا كافيًا من الجهد، فإنكم ستتعلمون إيجاد جانبين إيجابيين على الأقل مهما اختلف الموقف.
  • استرشدوا باللامبالاة الصحية. كما ذكرنا سابقًا، يتعرّض التشخيص عند الناس، الذين يكترثون بشكل مفرط برأي الآخرين عنهم. سأكشف لكم سرًا — الإنسان، بحكم طبيعته، لا يميل إلا قليلاً إلى الاكتراث بالمحيطين بهم، بالتالي في الواقع، من آخرتها، لا أحد لا يكترث ولا يبالي لا بمظهركم، ولا بأفعالكم. وكلامهم، حتى المتعلّق بكم مباشرًا، ليست سوى تعبير عن آراء يخلو من جرح كبريائكم. بالتالي لا داعي للتركيز على رأي المحيطين، ولا توقّع موافقة من الخارج. اعملوا ما يخدم مصلحتكم، لكن لا تتجاهلوا إنكم تعيشون في مجتمع، بالتالي جميع العمليات التي تجري فيه — هي حصيلة النشاط العام للناس، وليس مجرد نشاطكم أنتم.

هكذا، بعد التخلّص من التشخيص ستشعرون بحرية وسهولة أكبر في الاستجابة على ما يجري من حولكم من الأحداث النقد المختلف عن خاصتكم. وأكثر من ذلك، ستختفي الأفكار الوسواسية، التي لطالما شغّلت دماغكم، وسلبت منكم الطاقة وعكّرت مزاجكم.

رقم 5. التفكير “يجب أن”

“الكل يجب أن يحترمني” أو “يجب أن أكون الأول في كل شيء” — كلام مألوف؟ هكذا بالضبط ما يبدو عليه التفكير “يجب أن”.

التعريف والأسباب. يُقصد بـ التفكير “يجب أن” انحراف إدراكي حين يعتقد المرء اعتقادًا جازمًا أنه عليه واجب ما مع أحد، أو أن أحد غيره عنده واجب معه.

الفرد الذي يميل إلى التفكير “يجب أن” يحكم على نفسه بالمعاناة، إذ أحيانًا ليس بيدنا استيفاء جميع المتطلبات، و، مثلاً “أن نكون الأوائل في كل شيء” في كل مرة. هكذا إننا نضع أنفسنا في طريق مسدود. مع ذلك، إننا نفترض أن الآخرين أيضًا عندهم واجب ما، وبالتالي إننا نواجه أن الآخرين لا يتصرّفون على الإطلاق كما افترضنا. سلوك الآخرين، وبالأخص الدنيا حولكم، عندما تأمرون متعجبًا بأن “كل الكون مدين ليَّ!”، لا تتمحور حولكم بأي شكل. إنه ذاك مجال من مجالات الكون حيث ليس لكم عليها أي سلطان. تغيير العالم قسرًا كما تتوقعونه أنتم… شيء مستحيل.

تعود جذور ضابطة التفكير “يجب أن” كهذه إلى الطفولة، لأن كلّنا، بشكلٍ أم بآخر، ننمو ونمر عبر طريق التكوين في أُطر قاسية. هكذا، في أساس التفكير “يجب أن” يكمن خوف عميق لدى الفرد من أن يكون منبوذًا، غير محبوبًا، معاقبًا. أغلب الأطفال علموهم على لفت انتباه الوالدين من خلال سلوك حسن، علامات ممتازة وإنجازات أخرى؛ السعي المتواصل إلى المثابرة، “سماع الكلمة” وأن يكونوا “صحيحين”. لهذا السبب تنشئ توقّعات عالية تجاه الذات. نتيجةً لذلك يتطوّر شعور بالقلق المتزايد والتوتر، اللذان يستفزان ظهور ضابطة التفكير “يجب أن”. وفيما يلي قد تتفاقم نتيجة الإجهاد المزمن، والذي أيضًا قد يظهر نتيجة انحراف معرفي.

التشخيص. فكرة الواجب تجاه الذات، والآخرين، والعالم بوجه عام تتجلى عبر كلمات-دلالات مفتاحية. مثال: “يجب دائمًا أن أكون جميلة”، “يجب أن أحصل على شهادة بتقدير متميّز”، “كل زملائي يجب أن يساعدونني”، “يجب على الرجل أن يؤمّن امرأته”، وإلخ. إذا صرتم تلاحظون أكثر أفكارًا وكلامًا من هذا القبيل، فعلى الأرجح أنكم تميلون إلى التفكير “يجب أن”.

العلاج. أولاً، من المهم فهم ما إذا التفكير “يجب أن” سيء دائمًا. للقيام بذلك:

  • حدّدوا ما عليكم، وما ليس عليكم. لا داعي للتخلّص كليًا من كلمة “يجب أن” أو “عليَّ أن”. أشياء كثيرة، التي يتوجب القيام بها، موضوعيًا، هي أمور التي لا بدّ منها. فعلى الأقل، علينا أن نأكل، لكيلا نموت من الجوع. وهذا مثال بديهي جدًا. فالحاجة هنا تنجم عن الخصائص الفيزيولوجية للإنسان. لكن هناك أمور أخرى، مثل مسؤولية، التزامات، دين. هكذا، مثلاً، يتحمل الوالدين مسؤولية أطفالهم لحد بلوغهم سن الرشد. أي أن عليهم تأمين لقمة العيش لهم، ملابس، رعاية صحتهم وتأمين سلامتهم. فلا يجوز للوالدين رفض القيام بكل هذا مقرًا أنهما غير ملزمان بشيء لأحد. بالتالي، التخلّص من التفكير “يجب أن” يلزم تعامل به تعاملاً واعيًا، مقتصرًا على معالجة الانحراف الإدراكية، التي تخفض الاستمتاع بالشغل وجودة الحياة. مثلاً، أفكار من قبيل “يجب دائمًا أن أحرز على أفضل نتائج” أو “مع أني كبرت، مع ذلك بابا وماما يتكفّلان بتأميني”.
  • بدلوا “يجب” بـ “يا ريت”. دقة أفكاركم والصيغ التي تشكّلونها هامة جدًا خلال عملية التخلّص من مبدأ التفكير “يجب أن”. رغم أن الخطوة هذه تبدو سهلة، في البداية سيتوجب عليكم ضبط أنفسكم وتعديله. استعدوا لعدم نجاح الأمر على الفور، سيتوجب القيام بتدريبات طويلة وضبط النفس بشكل دائم. لتحقيق النتيجة بشكل أسرع، تواصلوا أكثر، وخلال ذلك حاولوا عدم استخدام الضابطة “يجب أن” أو “عليَّ أن”. هكذا، بإبدال الضابطة في “يجب دائمًا أن أكون أفضل من غيري” بـ “يا ريت أكون في صفوف النخبة”، إنكم ببساطة ستحفّزون نفسكم لبلوغ هدف، ومع ذلك إنكم لن تحدوا أنفسكم بقيود صارمة، وبالتالي — لن تتعرّضوا لإجهاد إضافي.

هكذا، الوعي تحديدًا هو ما سيمكّنكم من التخلّص من التفكير “يجب أن” عن طريق إبدال متطلب مطلق بأمنية. المهم هو فهم أن التفكير “يجب أن” — ليس تقييمًا موضوعيًا للواقع، إنما انحياز معرفي فحسب، وليس سوى مطلب شخصي ليتماشى واقع الأمور مع توقعّاتكم الشخصية.

تترقّبنا مصائد التفكير خلف كل زاوية من زوايا وعينا. وبمجرد أن نتساءل عما إذا نتعرّض للانحرافات المعرفية حتى ندرك أننا فعلاً وقعنا في قبضتها. لكن لا تتسرعوا بأن تقلقوا: ففي الواقع، مصائد التفكير — هي فرصة ممتازة لبدء حوار صادق مع النفس، الذي طال انتظاره. بدايةً اعترفوا بأنه من حين لآخر هناك انحياز معرفي الذي يتحكم بكم. ثم لا بد من فهم أسبابه، وهذا يتطلّب خوض عملية طويلة من التفكّر الذاتي، والتي قد تكون مزعجة إلى حدٍ ما. لكن النتيجة ستكون أنكم ستلاحظون نموًا، وليس في إنتاجيتكم الشخصية فحسب، بل أيضًا تحسّنًا لحالكم، تهدئة خلفيتكم العاطفية، رغبة في تحقيق أهداف جديدة، عيش حياة متكاملة ورؤية العالم بدون انحرافات معرفية.