صور نسائية قوية في التاريخ وكيف أثّرت في صورة المرأة المعاصرة
في فتراتٍ معيّنة رُفِعت النساء إلى أعلى المراتب، بل جرى تأليههنّ أحيانًا، وفي فتراتٍ أخرى جرى التقليل من شأن إمكاناتهنّ أو حتى تجاهلها تمامًا. وعلى أيّ حال، تبقى صورة المرأة دائمًا ديناميكية: تتغيّر باستمرار وتتحوّل، مكتسبةً مع كل قرنٍ قوّة فريدة أكثر فأكثر. لكن ما هي الصور النسائية المحورية في تاريخ العالم التي أثّرت أقوى تأثير في تصوّر الأنوثة وفي ما نحن عليه اليوم؟
صور نسائية ما قبل التاريخ والبدايات: من الأم إلى المحاربة

لن نتحدّث عن أنّ النساء طوال قرونٍ طويلة تعرّضن للتمييز وحُرمن حتى من أبسط الحقوق، مثل حق اختيار الزوج أو اختيار الملابس بأنفسهنّ. هذا بالطبع أمرٌ بديهي، لكن في كل العصور وُجدت صور نسائية قوية ونساء قويات من لحمٍ ودم — وهنّ موضوع حديثنا اليوم. فنحن مديناتٌ لهنّ إلى حدٍّ كبير بكوننا لم نعد نعتمد على أحدٍ غير أنفسنا.
وقد بدأ كل شيءٍ بالأم. ففي العالم البدائي كانت هي الصورة النسائية الأساسية والأهم والأقوى، بل أقوى من الرجال — الأم. وتشهد على ذلك تماثيل «فينوس» الشهيرة من العصر الحجري القديم بملامح أنثوية واضحة مرتبطة بالأمومة: صدر كبير وبطن كبير. كان نفوذ النساء آنذاك لا يُناقش، فمن يملك حق تقرير مصيرهنّ، بل ومصير القبيلة، إذا كانت المرأة هي التي تلد أفرادها الجدد وتمنح حياةً جديدة؟ وفي ذلك الزمن نفسه نشأت الصلة الوثيقة بين الأمهات والأرض بسبب وظائفهما المشتركة — الخصوبة. كانت المرأة تحتل مكانة قيادية في المجتمع بوصفها أصل السلالة. ولم يتغيّر كل شيء إلا عندما انتقل الناس من نمط الحياة المتنقّل إلى الاستقرار، وبدأ الرجال يؤدّون دور المعيلين والحماة، فانتقل زمام النفوذ من أيدي النساء الرحيمات إلى أيديهم.
وعلى مدى قرون طويلة بعد ذلك لم تظهر النساء القويات في التاريخ إلا على نحوٍ متقطّع، بوصفهنّ استثناءات صغيرة لكنها شديدة السطوع. ففي مصر القديمة، على سبيل المثال، لم يكن بوسع النساء تولّي مناصب حكومية رفيعة أو أن يكنّ كاهنات أو حتى ملكات فحسب، بل كنّ أيضًا يزاولن الطب: نعرف ما لا يقل عن عشر نساء قدّمن المساعدة الطبية على قدم المساواة مع الأطباء الرجال، وكتبن مؤلفات علمية عن الولادة والحمل، ودُفنّ حتى بتكريمٍ يليق بالأطباء البارزين. وإلى جانب ذلك، كان بإمكان النساء إدارة الرجال في أعمال المشاريع، والمشاركة في الاحتفالات والمراسم دون قيود، بل والتصرّف بالممتلكات. ويكفي أن نذكر كليوباترا — آخر ملكات مصر، التي لم تعش سوى 38 عامًا، لكن الأساطير ما زالت تُروى عنها حتى اليوم وتُصوَّر الأفلام عنها. ولا يدهشنا شجاعتها فحسب — فقد أنهت كليوباترا حياتها كي لا تستسلم للأسر عند الرومان عندما سقطت مصر — بل يدهشنا أيضًا ذكاؤها، إذ تشير بعض الروايات إلى أنها كانت تعرف نحو سبع لغات، وهو أمر لم يكن حتى أكثر الرجال علمًا قادرين على التفاخر به آنذاك. ومع ذلك لم تكن كليوباترا وحدها الصورة النسائية القوية في تاريخ مصر — فجديرٌ بنا أن نذكر أيضًا حتشبسوت، التي يعدّها المؤرخون «أول امرأة عظيمة في التاريخ»، وقد بلغ تعظيمها حدّ أنهم صنعوا على شاكلتها تلك أبي الهول الأسطورية (نعم، إن لها وجهها بالتحديد).
وفي اليونان القديمة تمتعّت النساء أيضًا بجزءٍ من الحريات التي لم تكن نساء البلدان الأخرى ليتخيّلنها حتى. ومن بين الصور القوية هنا أُبرز سافو — إحدى أوائل الشاعرات، التي عاشت في جزيرة ليسبوس، حيث كانت النساء عمومًا يعشن حياةً اجتماعية نشطة تكاد لا تختلف عن حياة الرجال. ودخلت سافو قائمة «التسعة الغنائيين» — وهو نوع من «قانون» شعراء اليونان القديمة الذين كان لأعمالهم أعظم تأثير في تاريخ الإنسانية — وخصّصت قصائدها للجنسانية الأنثوية والحب والرغبات، متحدّيةً بذلك الشعراء الآخرين.
أما أقوى الصور النسائية التي وصلتنا من اليونان القديمة فهي صور الإلهات مثل أرتميس (إلهة الصيد)، وأثينا (إلهة الموسيقى)، وديميتر (إلهة الطبيعة)، وأفروديت (إلهة الجمال). وفي الأساطير اليونانية نفسها يمكن ملاحظة نزعة إلى منح النساء قوةً وسلطة، لكن في الوقت ذاته طبعًا انفجاريًا و«ذكوريًا» (يكفي أن نتذكّر أسطورة كيف حوّلت أثينا المرأة التي «دنّست» معبدها إلى ميدوسا الغورغونية).
ويمكن العثور على مثل هذه الصور القوية لاحقًا أيضًا في تاريخ بلدان أخرى. على سبيل المثال، في روسيا القديمة. لطالما أدهشتني بصورةٍ خاصة شخصية الأميرة أولغا — أول حاكمة روسية اعتنقت المسيحية، لكنها اشتهرت لا بالفضيلة، بل بطبعٍ عنيدٍ قاسٍ بل وانتقامي. ووفقًا للرواية (التي أكّدها كثير من المؤرخين)، أُعدم زوجها الأمير إيغور على يد الدريفليان، الذين جاء إليهم لجمع الجزية. وبعد فعلٍ كهذا حاولوا إصلاح العلاقة مع الأميرة أولغا، التي بقيت في السلطة مع ابنٍ قاصر، فأرسلوا إليها عرضًا بالزواج مرةً ثانية من أحد نبلاء الدريفليان. فدفنت أولغا أول الخُطّاب أحياءً في الأرض، أما الثانيون فأحرقتهم أحياءً في الحمّام. ثم وافقت أولغا بالفعل على الزواج، ووصلت إلى الدريفليان شخصيًا، لكنها قالت إنها قبل الزفاف تريد إقامة مأدبة عزاء (تريزنا) تكريمًا لزوجها القتيل في المكان نفسه. وفي تلك المأدبة قتلت أولغا كل الدريفليان المحتفلين، ثم شرعت تحاصر المدينة التي أغلقت أبوابها على عجل. ويقال إن مفتاح انتصار أولغا كان الطيور: إذ عرضت على الدريفليان السلام مقابل ثلاث حمامات وثلاث عصافير من كل بيت. وبعد أن حصلت على الطيور ربطت أولغا في قوائمها فتائل مشتعلة، فانطلقت الطيور مسرعةً إلى أعشاشها. وهكذا أحرقت مدينة الدريفليان عن آخرها وانتقمت للأمير إيغور.
قصةٌ مدهشة، أليس كذلك؟ أولًا لقسوتها، وهي ليست سمةً تتباهى بها كل القصص عن الحكّام الرجال. وقد تركت ملكة فرنسا كاترين دي ميديتشي صورةً نسائية مشابهة وأثرًا في التاريخ. إذ يقول المؤرخون إنها مسؤولة عن مذبحة سان بارتيليمي، عندما ارتكب الكاثوليك إبادة بحق الهوغونوت. كما ساهمت في ازدهار الثقافة الفرنسية، إذ عُرفت بحبها للفن وقدّمت تبرعات مالية سخية لتطويره. وبقيت كاترين دي ميديتشي في السلطة (ولو بصورة غير رسمية) حتى مع وجود ثلاثة أبناء أحياء وبالغين. وكان لديها أيضًا ميلٌ فضائحي إلى خرق القواعد والتقاليد؛ فعلى سبيل المثال، كانت ترتدي دائمًا ثوب حدادٍ أسود بعد وفاة زوجها، رغم أنه كان يُعدّ ثوبًا جنائزيًا لا يصلح للارتداء اليومي.
وفي فترةٍ أقدم، بين الأميرة أولغا وكاترين دي ميديتشي، تركت جان دارك الأسطورية أثرًا بالغ السطوع في ترسيخ القوة النسائية. وربما، بمعنى ما، يمكن اعتبارها أول امرأة «صنعت نفسها بنفسها»، إذ قطعت طريقًا من امرأة مطيعة ووديعة كما أرادها المجتمع، إلى قائدة جريئة على رأس جيشها الخاص، لا تقل شأنًا عن فرسان الرجال. فهي لم تنجح في إقناع الملك بمنحها جيشًا رغم أنها راعية فقيرة بلا نسب فحسب، بل طردت الإنجليز من الأراضي الفرنسية، مقلِبةً مجرى حرب المئة عام. وبالطبع نعرف جميعًا أن قصتها انتهت نهايةً مأساوية — بالحرق على الخازوق — لكن جان أصبحت في النهاية رمزًا وطنيًا لحرية فرنسا، لا صورةً نسائية فحسب بل صورةً دينية أيضًا.
عصر النهضة بوصفه انتصارًا للطبيعية

في عصر النهضة اكتست الصور النسائية ألوانًا جديدة. لقد تغيّرت نبرتها، أو بالأحرى طبيعة قوتها. فإذا كانت كل الصور النسائية التي ذكرتها أعلاه تبدو كأنها تسعى إلى التشبّه بالرجال (بدءًا من مصر القديمة)، وتمتاز بالإصرار والقسوة وحتى بدرجةٍ من العطش للدماء، فإن القوة النسائية ابتداءً من القرن السادس عشر تقريبًا أُعيدت صياغتها بالكامل. أصبحت القوة النسائية الآن في الطبيعة، في هدوءٍ نبيل، في تقبّل الذات دون محاولة أن تصبح المرأة مساويةً للرجل أو تتفوّق عليه، لأن الأنوثة غير قابلة للمقارنة أصلًا. وربما أثّر في «تليين» القوة النسائية انتشار عبادة السيدة العذراء مريم، وقبل ذلك شعبية صورة المرأة التي تكاد تشبه طفلة: عفيفة وبريئة روحًا وجسدًا، تخشى الله، هادئة إلى أقصى حد ووديعة الطبع. وكأن هذه الصورة النسائية امتزجت بتلك الصور التي تحدثنا عنها — كليوباترا، أولغا، دي ميديتشي، جان دارك — فنتجت عنها شخصيات أكثر انسجامًا.
وأنا هنا أتحدث أكثر عن تجسيد النساء في الفن، لا عن شخصيات بعينها، لأن عصر النهضة يتميّز قبل كل شيء بفنونه، ومن الأسهل هناك تتبّع تطور الأنوثة. فجنسانية المرأة تتوقف عن أن تكون خطيئة، بل على العكس تجذب الانتباه وتثير الاهتمام. ولهذا بدأت النساء في اللوحات يتعرّين تدريجيًا؛ يكفي أن نتذكر «فينوس أوربينو» لتيتيان أو «ولادة فينوس» لساندرو بوتيتشيلي. بدأ الناس يعجبون بالمرأة، ويستمتعون بجمالها وبطبيعتها — وأصبحت النساء كذلك أكثر نشاطًا في المجتمع على نطاق واسع. لكن الصورة النسائية الأشد شهرةً وأهميةً في ذلك الوقت بالطبع هي «الموناليزا» لليوناردو دا فينشي: سيدة غامضة مبتسمة، تجسيد للجمال الأوروبي النموذجي لذلك العصر، تبدو طبيعية تمامًا بلا مكياج، بلا حُليّ خاصة ولا أزياء، وفي هذا تكمن جمالها وقوتها الداخلية. ويُقال إن الجيوكوندا دفعت كثيرًا من السيدات إلى الاهتمام أكثر بالنظافة الشخصية، لأنها كانت تبدو مرتّبة بشكل مذهل، بينما كانت الأمراض والأوبئة تعصف في العالم القديم باستمرار. فهل هي مجرد مصادفة أن تبدأ الزيوت والكولونيا والعطور والكريمات ومستحضرات العناية بالنفس في الظهور للبيع تحديدًا في القرن السادس عشر؟ في النهاية، أثّرت الصور النسائية بقوة لا في ماهية النساء اليوم فحسب، بل في تطور مجالات عديدة من الحياة البشرية أيضًا، بما في ذلك السوق.
نساء ذكيات ومستنيرات

وحوالي القرن السابع عشر تتغير الصورة النسائية مرةً أخرى: من الأم انتقلت إلى المحاربة والمنافسة للرجال، ثم إلى تجسيد طبيعية الأنوثة، وبعدها إلى انتصار عقل المرأة وذكائها. وأول امرأة تتجسد قوتها في حكمتها وتخطر على البال فورًا هي إمبراطورة روسيا كاترين الثانية. هذه المرأة الأسطورية لم تكن تراسل الفلاسفة الفرنسيين كما لو كانوا أصدقاء قدامى، متبادلةً الأفكار والخبرة فحسب، بل كانت أيضًا مستقلة تمامًا في سلطتها السياسية، حققت النصر في أكثر من حرب، وأصبحت تجسيدًا لعصر التنوير في بلادها.
وهكذا وضعت كاترين الثانية الأساس لتعليم النساء، إذ أمرت الدولة بأن «تُخرّج نساء متعلمات، وأمهات صالحات، وأعضاء نافعين في المجتمع» عبر افتتاح مؤسسات تعليمية للفتيات، حيث لم يقتصر التعليم على الرقص والموسيقى والأشغال اليدوية وتدبير المنزل، بل شمل أيضًا مواد عامة كان الرجال يدرسونها. وشخصية مشابهة جدًا من حيث طبيعة تأثيرها في التاريخ هي الملكة فيكتوريا. فهي كذلك رفعت مستوى تعليم سكان بريطانيا، لكنها فعلت ذلك عبر نشر الفن وإقامة معارض عديدة والمساهمة في التطور العلمي والفني والروحي للمجتمع.
وبعد ذلك بقليل يبدأ ازدهار «علم النساء»، حين تتوقف النساء الذكيات عن إخفاء ذكائهنّ ويبدأن بالمشاركة في التقدم التقني والابتكار على قدم المساواة مع الرجال، رغم أن الرجال استمروا في التقليل من شأنهن وتقييد حقوقهن. وهكذا يمكنني بثقة أن أسمّي ماري سكلودوفسكا-كوري واحدةً من ألمع الشخصيات القوية «بعقلها» — فهي أول امرأة حصلت على جائزة نوبل، بل مرتين، وهو ما لم ينله قبلها أي رجل. لقد حققت اختراقًا حقيقيًا في الكيمياء والفيزياء، مكتشفةً النشاط الإشعاعي لعدد من المواد وتأثيره على الأنسجة الحية على حساب صحتها، كما درّست في جامعة باريس بوصفها المرأة الوحيدة ضمن الهيئة. وإلى الفئة نفسها يمكن أن تُنسب صوفيا كوفاليفسكايا — أول أستاذة في الرياضيات، وقد أصبحت كذلك حين لم تكن النساء في روسيا يملكن حق الحصول على تعليم عالٍ. وللتمكن من الدراسة عقدت صوفيا زواجًا صوريًا وهربت إلى الخارج.
روزاليند فرانكلين، التي اكتشفت شكل اللولب المزدوج للحمض النووي DNA. سيسيليا باين-غابوشكين، التي اكتشفت تركيب النجوم. آدا لوفلايس، التي أنشأت أول نموذج أولي للحاسوب الحديث. وهذا ليس حتى عُشر قائمة النساء اللواتي يجمعهنّ أمر واحد: عقل حاد ومرن على نحوٍ لا يُصدق، لا يقل بأي شكل عن عقل الرجل. هؤلاء النساء بالتحديد تركن أقوى الأثر على دور المرأة في المجتمع، وجعلن المجتمع يلتفت إلى قدرات النساء ومواهبهن، وإلى حقيقة أن امتلاكها لا يعتمد إطلاقًا على الجنس. وإذا حللنا الأدب والفن في تلك الحقبة، يتضح أنهما كانا يعرضان في الغالب نساءً متعلمات، لم تعد قوتهنّ في الاستعداد للبطش الجسدي أو إنجاب الأطفال أو حتى الرقة الخارجية والطبيعية، بل في الذكاء. وهكذا انكشف بُعد جديد تمامًا للأنوثة، وظهرت صور نسائية جديدة. ومع امتزاجها بعضها ببعض وبالصور القوية السابقة، شكّلت أساس المرأة المعاصرة. لكن كان لا ينقصها سوى مكوّن آخر!
أربعينيات القرن العشرين: مكر المرأة وسحرها

هذا المكوّن، أو بالأحرى نوع جديد من الصور النسائية (ويمكنكم معي عبر هذا المقال أن تحصوا بالفعل قرابة خمسة أنواع من هذه الصور، وكلها درجات في «تطور الأنوثة»)، ظهر مع السينما. وبالطبع ساهم التقدم التقني أيضًا، إذ جعل الأدب والرسم أكثر انتشارًا، ورفع مستوى تعليم عامة الناس، ومن ثم كوّن الحاجة إلى صورة نسائية جديدة، إلى تجلٍّ جديد للمرأة. وفي المقام الأول، كما هو طبيعي، كانت النساء أنفسهن يحتجن إلى ذلك. بل إن ظهور هذه الصور كان سببه أولًا وقبل كل شيء حاجتهن إليها: في البداية الحاجة إلى الدفاع عن حق السلطة، ثم الحاجة إلى حماية النفس من ضغط الرجال، وبعد ذلك الحاجة إلى تقبّل الأنوثة كما هي، وأخيرًا العثور على الشجاعة لإظهار العقل للعالم وما يستطيع فعله.
وبالطريقة نفسها، في الأربعينيات التي، كما نعرف، شهدت الحرب العالمية الثانية، برزت الحاجة إلى صورة نسائية من نوع آخر — ماكرة، جذابة، تستعير كل سمات الصور السابقة، لكنها في الوقت نفسه تلائم اتجاهات العصر. وربما كان هذا هو الجواب عن السؤال الذي حيّر الكاتبة مارغريت ميتشل حين تساءلت بدهشة: لماذا أحب الجميع بطلتها سكارليت أوهارا بدلًا من أن يكرهوها؟
سأقولها بصراحة: أنا أحبها من كل قلبي أيضًا. فقد اعترفت ميتشل أكثر من مرة في مقابلات بأنها أرادت إبراز أنانية سكارليت وجشعها وحتى «قابليتها للبيع»، لكن الجمهور لسبب ما رفض تمامًا إدانتَها بهذه الصفات. بل على العكس، اجتمعت هذه الصفات لتجعل سكارليت تلك «المرأة القوية» التي أصبحت قدوة لملايين الناس، لأن تلك الصفات هي التي ساعدتها على البقاء خلال الحرب الأهلية التي تتناولها القصة، وعلى تحقيق الرفاه. ولولا تلك الظروف لكان طبع سكارليت سيُفهم على نحو مختلف تمامًا. لكن في النتيجة أظهرت للنساء طريقًا من أرملة ذات سمعة مشكوك فيها إلى سيدة أعمال يُحسب لها الرجال حسابًا — بل ويعشقها هؤلاء الرجال أنفسهم. سواء في الكتب أو على الشاشة جسّدت التحدي الذي لطالما حلمت النساء بتوجيهه للمجتمع، حتى لو لم تكن سكارليت مثالية حقًا. وحتى مهارتها في تدوير الخُطّاب فسّرها الجمهور سببًا للإعجاب. وكل ذلك لأنها كشفت عن «قوة» أخرى لدى المرأة كان الناس يخجلون من الحديث عنها سابقًا — المكر.
الإحساس نفسه — الإعجاب والاحترام والغيرة من القدرة على التعامل بذكاء مع العلاقات والمواهب — تثيره شخصيات حقيقية أيضًا، مثل غابرييل «كوكو» شانيل، التي أحدثت ثورة في عالم الموضة. فقد حررت النساء من الكورسيهات الضيقة، وأدخلت الفستان الأسود الصغير إلى الموضة (ألا يذكّركم ذلك بشيء؟ تلميح: كاترين دي ميديتشي)، وافتتحت دار أزياء خاصة بها، وتغلبت غير مرة على رجال حاولوا انتزاع عملها منها. ومع ذلك أسستها أيضًا ليس من دون مساعدتهم، وهو أمر ليس سرًا، بل يؤكد فقط أن قدرة المرأة على استخدام الرجال تحوّلت فجأةً في تلك الفترة إلى موهبةٍ لا تقل عن مهارة الخياطة أو إدارة الأحاديث الراقية.
قليل عن أميرات ديزني
في المنصات الإلكترونية وغيرها نُشرت بالفعل تحليلات كثيرة لتطور أميرات استوديو ديزني، لأنهن يعكسن حقًا متطلبات المجتمع ومثله النسائية، والصور التي كانت تُغرس في الفتيات قبل أن يبدأن بأنفسهن تشكيلها واختيارها. فإذا حللنا صورة سنو وايت عام 1937، يتضح أنه كان هناك طلب على «ربة منزل نموذجية»: سنو وايت تنظف في القصر، وتهتم بالأقزام، وتتحمل زوجة الأب الشريرة، إلى أن ينقذها الأمير الوسيم، تلك الفتاة الصبورة الطيبة التعيسة. وهذه الصورة، مقارنةً بصور الأميرات اللاحقة، «مصقولة» وبريئة جدًا، وموجهة أساسًا للأطفال الصغار في ذلك الوقت. أما «سندريلا» التي صُوّرت عام 1950 فلم تبتعد كثيرًا عن سنو وايت، لكن رغم ذلك يمكن ملاحظة سمة جديدة في «طبعها الأنثوي» — التفكير النقدي. فهي لا تتحدى الأخوات السامّات وزوجة الأب تحديًا صريحًا بعد، لكنها تبدأ مع ذلك بمخالفتهن وبالتصرف باستقلالية، مثل ذهابها إلى الحفل دون إذن.
لكن «التمرد النسائي» الحقيقي يبدأ مع «حورية البحر» التي صُوّرت عام 1989، حيث تجسد صورة أرييل أخيرًا صورة المرأة الحديثة: مستقلة ومنفصلة، تهرب من فرط الحماية ومن الحياة التي لا ترضيها. وهكذا يمكننا أن نرى كيف أن الصور النسائية حتى في الرسوم المتحركة تكتسب تدريجيًا سمات أعمق وأحدّ وتصبح أقوى. أما الدرجة التالية من «الصورة القوية» بين أميرات ديزني فكانت بوكاهونتاس ومولان، الأقرب إلى المحاربات والمساويات للرجال، ثم البطلة تيانا من «الأميرة والضفدع»، التي تجسد سيدة self-made معاصرة ونشيطة، تعمل في أكثر من وظيفة وتنقذ الرجل بدلًا من أن تنتظر إنقاذها هي. أما «رابونزل» لعام 2010 فقد أصبحت نقطة تحوّل، معلنة اكتمال الانتقال من حوريات رقيقة مرفوعة إلى نساء مصممات وطبيعيات وشجاعات لهن مشكلاتهن الشخصية ومخاوفهن ورغباتهن. ومنذ ذلك الحين ظهر جيل جديد من الصور النسائية في ديزني، وبفضل ذلك يمكن تتبّع مقدار التغير في حاجات الجمهور النسائي ومتطلباته. وبالطريقة نفسها التي تغيّرت بها أميرات ديزني تغيّرت تصوراتنا عن نساء أخريات في التاريخ ممن ناقشناهن بالفعل، وتغيّرت كذلك نساء عاديات مثلنا نحن أيضًا. وكل ذلك معًا أنجب صورة جديدة فريدة للمرأة المعاصرة التي نعرفها اليوم والتي تلهمنا نحن أولًا، والتي نسعى إلى أن نكون على صورتها.
من هي المرأة المعاصرة؟

إن وضع النساء اليوم ومجال الفرص المتاحة لهن في المجتمع يختلف، بالطبع، كثيرًا عما كان عليه في العصور القديمة أو حتى قبل مئة عام. فحتى عام 2023 ارتفعت مشاركة النساء بنسبة 56% مقارنةً بالعقد السابق، ومع ذلك ما تزال أقل بكثير مقارنةً بالرجال (إذ تبلغ نسبة النساء في الكونغرس وفي أعلى المناصب السياسية نحو 25%). وبالمقارنة مع عام 1950، فإن عدد النساء العاملات اللاتي يعِلن أنفسهن قد ارتفع مع بداية القرن الحادي والعشرين من 34% إلى 60%. وباختصار، رغم أن القيود والظلم والاختلالات ما تزال موجودة (مثل تفاوت الأجور)، فإن النساء يواصلن تعزيز حضورهن في جميع مجالات الحياة والاقتصاد.
حتى «الصور القوية» في القرن العاشر لم تعد تبدو قوية إلى هذا الحد مقارنةً بما عليه المرأة المتوسطة اليوم وما تستطيع فعله. ومن بين المكوّنات الأساسية لصورة المرأة المعاصرة أود أن أُبرز فورًا أن المرأة المعاصرة:
- تجمع بين الأمومة والعمل. وبعملٍ لا يقل نجاحًا ونشاطًا عن عمل الرجل! فالمرأة المعاصرة أكثر مرونةً وقدرةً على التحمّل وتوازنًا؛ لم نعد مُلزَمات بأن نحصر اختيارنا في أمر واحد، ويمكننا أن ننمو في أكثر من مجال في الوقت نفسه، أن نكون أمهات محبات وزوجات محبوبات ومديرات صارمات. وحتى لو كان هذا صعبًا أحيانًا، فإن معظم النساء يفعلن ذلك — وبكفاءة عالية جدًا! إنه أمر لم تكن نساء الماضي لتحلمن به، لكنه اليوم يُنظر إليه بوصفه أمرًا طبيعيًا تمامًا.
- تبادر في حياتها الشخصية وفي الأعمال. تطلق المشاريع، تتقن مهنًا جديدة، تتعرف وتبني علاقات عمل، تتولى الاتجاهات القيادية، تخلق مجالًا جديدًا أو تشغل حيّزًا جديدًا، تبتكر، تقترح أفكارًا. وباختصار، المرأة المعاصرة، بمعنى ما، أذكى من سابقاتها؛ أو بالأحرى إنها لا تخاف أن تُظهر هذا الذكاء وأن تستخدمه.
- لا تخاف النقد، والتعبير عن رأيها، والدفاع عن موقفها. ومثل الذكاء العالي، فإن التفكير النقدي «سمة نسائية» جديدة نسبيًا. عندما يُطلب منا أن نتخيل امرأة معاصرة، فإننا غالبًا ما نتخيل سيدة جريئة وصريحة وشجاعة، لن تصمت إن دُفع لها أقل من زميلها، أو ستقول إن العرض لا يعجبها وترفضه.
- تحب المهام المعقدة وتدعم النساء الأخريات في ذلك. فالنساء المعاصرات لا يتراجعن أمام التحديات ويستمددن الإلهام من تجاوز الأزمات وإلهام الأخريات لتجاوزها. وربما لاحظتِ أنتِ أيضًا مدى نمو المجتمعات النسائية في السنوات الأخيرة؟ كم ازداد عدد النساء «الأخوات» والمرشدات اللواتي لا يكتفين بتطبيق «التضامن النسائي» نظريًا، بل يمنحن نساءً أخريات الدافع والنصيحة والموارد، ويهببن للمساعدة؟ مجلس WE Council مثلًا هو أيضًا مجتمع نسائي، وليس الوحيد بالطبع، لكن جميع مشاركاتنا يدعمن بعضهن، وعددهن يزداد شهرًا بعد شهر.
- لا يخجلن من كونهن نساء، بل على العكس يبرزن ذلك. لم تعد الأنوثة عيبًا أو ضعفًا كما كانت طوال قرون طويلة. اليوم الأنوثة ميزة وقوة، ولم يعد يجب إخفاؤها؛ بل ينبغي استخدامها وتحويلها إلى سلاح. وأتذكر فورًا كيف كنت في بدايات مسيرتي أحاول التشبه بالرجال: كنت أرتدي ملابس باهتة ومغلقة، بل حتى أحيي كما يحيون. ثم أدركت جمال أن أكون امرأةً في عالم الأعمال والبيزنس، والآن أصبحت الإكسسوارات وأحمر الشفاه الأحمر والبدلات الزاهية أمرًا عاديًا بالنسبة لي حتى في الاجتماعات.
وبالطبع لسنا جميعًا مثالاتٍ ونطابق هذه الصورة بنسبة 100%؛ إنها بالأحرى المثال الذي تسعى إليه المرأة المعاصرة وتحققه في نفسها بقدر ما تسمح به إمكاناتها ومواردها. لكل منا طموحات ورغبات مختلفة، ومواهب وسمات خاصة، ولذلك لستِ مُلزَمة بأن تجمعي هذا «الكومبو» كله في نفسك. وهكذا فإن النقطة الخامسة «عدم الخجل من كونك امرأة» تعني أيضًا أن المرأة المعاصرة يمكنها أن تبقى ربة منزل وتؤدي دور الأمومة حصريًا إذا رغبت هي بذلك. الكلمة المفتاحية هنا هي «هي» — فهذا هو جوهر صورة المرأة المعاصرة. لم تعد المرأة تتبع أحدًا — إنها تقود وتقرر كل شيء بنفسها.
هذه النساء سيجتمعن في WE Convention 2025 القادمة يومي 1 و2 نوفمبر في دبي، ويمكنكِ أنتِ أيضًا الانضمام إلينا! رئيسة تحرير Vogue السابقة وأيقونة الموضة آنا وينتور، ومؤلفة الكتاب الأكثر مبيعًا «Sex and the City» كانديس بوشنيل، والمديرة العامة لـ Microsoft Egypt ميرنا عارف، والعديد من النساء القياديات البارزات والقويات سيجتمعن معًا لكتابة فصل جديد في تاريخ تطور صورة المرأة. إن مثالهن يثبت أنكِ أنتِ أيضًا تستطيعين امتلاك القوة التي كانت تتراكم في النساء منذ بداية الزمن. وأخيرًا يمكن إظهارها للعالم كله وإطلاقها إلى الخارج!