من يدير الدول اليوم: أبرز الوجوه النسائية في السياسة العالمية
حتى عام 2024 لا يتجاوز عدد الدول التي تقودها المرأة 26 دولة حول العالم. وفي عام 2023 كان ينحصر عددها في 17 دولة. بحسب منظمة الأمم المتحدة، وبالرغم من التقدّم المحرز، لا يزال مجال الدبلوماسية والعلاقات الدولية مغلق إلى حدٍ كبير أمام المرأة. فمثلاً، أكثر من 100 دولة، وتحديدًا 113، لم تتولّى فيها امرأة حكم الدولة بتاتًا، وفي سبع دول ولا امرأة واحدة تشغّل منصبًا في مجلس الوزراء. مع ذلك هناك حكومات، معظمها أوروبية، التي نجحت في تحقيق التكافؤ بين الجنسين. لنتطرق في دور المرأة في إدارة دول وفي أبرز الشخصيات النسائية في السياسة.
أورسولا فون دير لاين

منذ وقت ليس ببعيد تولّت السياسية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ولايتها الثانية بصفة رئيسة المفوضية الأوروبية. أول مرة انتُخبت فيها كانت في عام 2019، لتصبح بذلك أول امرأة تتولّى هذا المنصب. المفوضية الأوروبية: هي الجهاز التنفيذي الرئيسي للاتحاد الأوروبي المسؤول عن إعداد القوانين والبرامج السياسية، توزيع الموارد المالية بين الدول الأعضاء، تمثيل الاتحاد في الهيئات الدولية، تنفيذ القرارات التي يعتمدها البرلمان الأوروبي ومجلس الاتحاد الأوروبي.
وُلدت أورسولا في بروكسل في عام 1958. والدها، إرنست ألبريخت، كان أيضًا يعمل في السياسية. نشأت في أسرة من سبعة أطفال. في عام 1971 رجعت عائلتها إلى ألمانيا الغربية. درست أورسولا الاقتصاد في جامعتي غوتينغن و مونستر، ثم انتقلت إلى لندن. وبعد عودتها إلى ألمانيا قامت بتغيير مجال دراستها وحصدت التعليم الطبي. قبل دخولها السياسة، امتهنت أورسولا الطب، نالت درجة الدكتوراه فيه ودرَّست في كلية الطب في هانوفر.
في تسعينيات القرن الماضي، انضمّت فون دير لاين إلى الحزب الديمقراطي المسيحي، حيث كان والدها عضوًا فيه، ولاحقًا بدأت تشارك بنشاط في حياة الحزب. في مطلع الألفية الجديدة انتُخبت أورسولا لبرلمان ولاية ساكسونيا السفلى — وصارت وزيرة إقليمية للشؤون الاجتماعية والأسرة. بعد عامين تم تعيينها وزيرة اتحادية في الشؤون ذاتها. من بين إصلاحاتها إدخال حق الآباء في إجازة الأبوة، وضمان مكان لكل طفل في دور الحضانة.
في عام 2009 تولّت أورسولا منصب وزيرة العمل والشؤون الاجتماعية في ألمانيا. خلال هذه الفترة عززت السياسية دعم توظيف النساء، كبار السن والعاطلين عن العمل. كما أنها أصرت، وبشكلٍ فعال، على تحقيق التوازن بين الجنسين في إدارات كبرى الشركات الألمانية. أيضًا، أشرفت فون دير لاين على تدابير لحماية فرص العمل خلال الأزمة الاقتصادية العالمية، ومنها برنامج “Kurzarbeit” (أسبوع عمل مختصر مع تعويض راتب جزئيًا).
بعد بضع سنوات، في عام 2013، تم تعيينها وزيرة للدفاع، لتصبح أول امرأة في ألمانيا تتولّى هذا المنصب. أطلقت أورسولا برنامجًا لتحديث الأسلحة وترقية البنية التحتية للجيش، روّجت بشكلٍ فعال فكرة التوازن الجندري من خلال تمكين المرأة في القوات المسلّحة. وفي الفترة ذاتها تصدت أورسولا لانتقادات بسبب النقص الوزاري على كافة مستوياته. أُلقي اللوم على وزارة الدفاع بسبب توزيع غير رشيد للأموال المخصصة لبرنامج إعادة تأهيل اللاجئين السوريين. أما أورسولا، فتورطت في فضيحة الفساد. نتج كل هذا عن تعاقدات الجيش الألماني، المقدّرة بملايين اليوروهات، مع استشاريين خارجيين. والديوان الاتحادي لمراجعة الحسابات أبدى شكوكًا بشأن مشروعية المدفوعات.
بغض النظر عن هذا، تمكنت فون دير لاين من كسب ثقة في هيئات الاتحاد الأوروبي، مثلاً من خلال الاستجابة عن طريق تنظيم مهمة الناتو في بحر إيجه عند اندلاع أزمة الهجرة في عام 2016. هكذا، في عام 2019، تولّت رئاسة المفوضية الأوروبية. وأول تحدي واجهته كان كوفيد-19. نسّقت أورسولا عمليات شراء مشتركة للقاحات لجميع دول الاتحاد الأوروبي، وأطلقت استراتيجية لتحقيق الحياد المناخي للاتحاد بحلول 2050. وعلى الرغم من الفضائح، المتعلّقة مثلاً بشراء اللقاحات، ومراسلاتها مع الرئيس التنفيذي لشركة “فايزر”، والانتقادات من طرف السياسيين الآخرين، تأهلّت أورسولا لولاية ثانية، بل وأُعيد انتخابها لتشغّل المنصب ذاته. وفي عام 2023 أصبحت أورسولا أكثر امرأة نفوذًا في العالم بحسب فوربس.
تاريا هالونن

“أمّ الفنلنديين” تاريا هالونن انتُخبت رئيسةً لفنلندا في عام 2000، لتصبح أول امرأة تتولّى هذا المنصب. وهي شغّلت هذا المنصب لمدة 12 عامًا.
وُلدت تاريا في عام 1943 في هلسنكي. وفي ستينيات القرن الماضي درست القانون في جامعة هلسنكي ونالت شهادة المحاماة. في شبابها تميّزت بوجهات نظر مالت إلى اليسارية الراديكالية، ناضلت بنشاط من أجل المساواة، وحتى أنها تركت الكنيسة اللوثرية بعدما رُفض حق ترسيم المرأة في منصب القسيس.
تغطي مهنتها السياسية أكثر من ثلاثة عقود من الزمن، وهي تعدّ من الشخصيات الأكثر تأثيرًا في تاريخ السياسة الفنلندية، لا سيما في شؤون حقوق الإنسان والمساواة. بين عامي 1977 و1996 كانت عضوة في البرلمان عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي. كما أنها شغلّت مناصب رئاسية في ثلاث وزارات: بدايةً، منصب وزيرة للشؤون الاجتماعية والرعاية الصحية منذ 1987 حتى 1990، ثم وزيرة للعدل منذ 1990 حتى 1991، ثم وزيرة للشؤون الخارجية منذ 1995 حتى 2000. إنها شاركت في إصلاح النظام القضائي، روّجت المساواة بين الجنسين في الساحة الدولية. كان لها دور نشط في سياسة الاتحاد الأوروبي، كذلك خلال عملية اندماج فنلندا في الهياكل الأوروبية.
في عام 2000 أصبحت تاريا أول امرأة رئيسة لفنلندا، وفي عام 2006 انتخبت للمرة الثانية. دعمت بنشاط مبدأ الدولة الاجتماعية. تفترض هذه الفكرة أنّ الدولة لا تقتصر على الامتثال للقوانين والنظام، إنما تشارك أيضًا بنشاط في إنشاء ظروف مناسبة للحياة الكريمة والتنمية الحرّة للمواطنين، وبالأخص المحتاجين إلى المساعدة. يكمن في جوهر هذه الفكرة مبدأ العدالة الاجتماعية، التضامن والمسؤولية المشتركة. وعلى الصعيد الخارجي دافعت تاريا عن دور فنلندا بصفة وسيط حفظ السلام والدولة المشاركة في المبادرات الإنسانية الدولية.
لطالما ركزت على “القوة الناعمة”: الدبلوماسية، حقوق الإنسان، والمسؤولية المناخية. خلال رئاستها تحديدًا تعززت سمعة فنلندا الدولية بصفتها دولة متقدمة ومتوازنة جندريًا.
بعد انتهاء ولايتها الرئاسية، في السن الـ 81، لا تزال تاريا تشارك في منظمات ومنتديات دولية، مثل مجلس القيادات النسائية Council of Women World Leaders، في مجموعة عمل منظمة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة في مجال حقوق المرأة، الرعاية الصحية والبيئة.
فايرا فيكه-فرايبرغا
وُلدت الرئيسة لاتفيا المستقبلية في عام 1937 في ريغا. انتقلت عائلتها لاحقًا بين ألمانيا، الدار البيضاء وكندا. وفي مونتريال حصلت فايرا على الجنسية الكندية، نالت درجة البكالوريوس في اللغة الإنجليزية، ثم الماجستير في علم النفس، والدكتوراه في علم النفس التجريبي من جامعة ماكغيل. على مدى أكثر من 30 عامًا درّست، أجرت بحوث في مجال علم النفس، درستْ عمليات الذاكرة، واللغة والتفكير. كما أنها شغلّت مناصب قيادية في منظمات علمية وطنية ودولية، ترأست قسم اللغة الفرنسية في الأكاديمية الكندية للعلوم، وكانت ممثلة كندا ورئيسة لبرنامج الناتو العلمي “العامل البشري” في بروكسل.
في عام 1997 تم دعوتها لتكون ممثلة كندا، مستشارة في اللجنة المعنية بالإصلاحات الدستورية لدى البرلمان البرازيلي. وفقط في عام 1997 انتقلت فايرا من كندا إلى لاتفيا، وفي عام 1998 عُيّنت مديرة لمعهد لاتفيا، المسؤول عن صياغة صورة البلاد في العالم. وفي عام 1999 انتخب البرلمان فايرا السياسية المحترفة رئيسةً للجمهورية بصفتها شخصية توفيقية مستقلة. وفي عام 2003 أُعيد انتخابها.
تحت حكم فايرا انضمّت لاتفيا إلى الاتحاد الأوروبي والناتو في عام 2004. روّجت فايرا بنشاط فكرة رجوع لاتفيا إلى “عائلة الديمقراطيات الغربية”. وفي الساحة الدولية كان لها دور ممثلة دول البلطيق أجمعها، مدافعًا عن مصالح بلدان الاتحاد السوفيتي السابق. لم تخشَ فايرا دعم الحوار عن الاحتلال السوفيتي، استيعاب تاريخ القرن الـ 20 وتعزيز الهوية الوطنية، كما أنها طرحت قضايا المساواة بين الجنسين، التعليم وحقوق الإنسان.
تحت حكمها ترسخت مكانة لاتفيا نهائيًا كدولة ديمقراطية مستقلة. أظهرت فايرا فيكي-فريبيرغا نشاطًا سياسيًا خارجيًا ملحوظًا ودخلت في قوائم فوربس لأكثر النساء تأثيرًا في عامي 2005 و2006. تتحدث فايرا فيكي-فريبيرغا ست لغات بطلاقة وتظل من أكثر القيادات النسائية احترامًا في أوروبا الشرقية. ويرجع الفضل في ذلك لدورها النشط في الأنشطة الاجتماعية حتى بعد انقضاء أجل ولايتها، وخير مثال عن ذلك مشاركتها في المجلس الأوروبي للتسامح والمصالحة.
أليسا با كونكه

وزيرة الثقافة والديمقراطية السابقة في السويد، نائبة البرلمان السويدي، وصحفية. وُلدت أليس با كونكه في مالمو في عام 1971. درستْ علم السياسية في ستوكهولم، ثم عملت عدة سنوات في التلفزيون كمراسلة ومنتجة، قدمت برنامج حواري خاص.
في عام 2013 أصبحت أليسا المديرة العامة للوكالة السويدية لشؤون الشباب. وبعد عام انضمّت إلى حزب “الخضر – التحالف الأوروبي الحرّ” وشغلّت منصب وزيرة الثقافة والديمقراطية. لم يقتصر نطاق صلاحياتها على الثقافة، بل امتد ليشمل المجتمع المدني، المؤسّسات الدينية ومكافحة التطرّف.
دعمت كونكه بنشاط المؤسّسات الحقوقية غير الحكومية، زادت التمويل الحكومي للمؤسّسات المناضلة من أجل المساواة، الشمول وحرّية التعبير، طوّرت برامج تفادي التطرّف، شاملاً التعامل مع الشباب والمجتمعات المحلية. كما روّجت أليسا سياسة التنوّع الثقافي والشمول في جهات الدولة والمؤسّسات الثقافية.
ومنذ عام 2019 تشغّل منصب نائبة البرلمان الأوروبي. تمثل أليسا السويد ضمن كتلة “الخضر – التحالف الأوروبي الحرّ” وتشغّل منصب نائبة الرئيس، متولّيًا قضايا الحريات المدنية، حقوق المرأة والتنمية المستدامة.
مارا كارفانيا

عارضة أزياء ومقدمة برامج تلفزيونية في السابق، انغمستْ مارا في السياسة انغماسًا تامًا. في عام 2006 انتُخبت في مجلس النواب الإيطالي، وبعد عامين انضمّت إلى مجلس الوزراء، ومن 2021 إلى 2022 شغلّت منصب وزيرة الدولة لشؤون جنوب إيطاليا وتنمية الأقاليم.
وُلدت ماريا روزاريا كارفانيا في ساليرنو في عام 1975. وهناك أنهت كلية الحقوق في جامعتها المحلية، لكنها لم تعمل في تخصصها – عملت مارا لفترة طويلة كمقدمة، شاركت في مسابقات جمال. شركة الميديا “Mediaset”، حيث عملت مارا، كانت تابعة لرائد أعمال ومن أبرز الشخصيات السياسية الإيطالية، سيلفيو برلسكوني. انضمّت مارا إلى البرلمان عن حزب “فورزا إيطاليا”، الذي كان يقوده برلسكوني. ولاحقًا انضمّت إلى مجلس الوزراء. روّجت مارا مشاريع قوانين الرامية إلى مكافحة الاستغلال الجنسي، بالأخص بحق القاصرات والمهاجرات، وزادت تمويل مراكز الأزمات والملاجئ، عززت دعم ضحايا العنف الأسري، بادرت برامج لإعادة تأهيل المرأة مهنيًا والترويج للمرأة في الحياة العامة. أُعيد انتخابها عدة مرات في مجلس النواب الإيطالي، عملت في لجان برلمانية مختلفة.
ورغم الموقف الارتيابي المتّخذ منها، أثبتت كارفانيا نفسها بصفة سياسية جادة، التي تركّز على القضايا الاجتماعية والقانونية، وبالأخص حماية الفئات المستضعفة من النساء. في عام 2022 تركت مارا حزب برلسكوني لتنضمّ إلى حزب “التصرّف” (Azione) لـ كارلو كاليندا. إنها تواصل نشاطها في السياسية البرلمانية على نحو نشط، مدافعًا عن مساواة الحقوق، التنمية الاقتصادية لجنوب إيطاليا وترويج المرأة في السياسة، كما أنّها تسلّط الضوء على القضايا الاجتماعية والجندرية في وسائل الإعلام وفي المنتديات العامة.
عدد النساء في السياسة يزداد، ولا يقتصر ذلك على الصعيد الوطني، إنما يمتد إلى المؤسّسات الدولية أيضًا. وتجربة القيادات النسائية القائمة تؤكّد أن القدرة على الإدارة – ليست مسألة نوع الجنس، إنما هي مسألة الاحتراف والقناعات.
